الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٢٧ - الدليل على أنه واحد و إطلاق القول بأنه شيء
كنت لم تر الباني و لم تشاهده قال فما هو قال شيء بخلاف الأشياء ارجع بقولي[١] إلى إثبات معنى و أنه شيء بحقيقة الشيئية غير أنه لا جسم و لا صورة- و لا يحس[٢] و لا يدرك بالحواس الخمس لا تدركه الأوهام و لا تنقصه الدهور و لا تغيره الأزمان فقال له السائل فتقول إنه سميع بصير قال هو سميع بصير سميع بغير جارحة و بصير بغير آلة بل يسمع بنفسه و يبصر بنفسه ليس قولي
[١] .- و قوله: «ارجع بقولي إلى اثبات معنى» أي مقصود باللفظ و أنّه شيء أي المبدأ موصوف بحقيقة الشيئية أي هو موصوف بحقيقة الشيئية و اطلاق الشيء عليه بهذا الاعتبار و الشيء مساو للوجود إذا أخذ الوجود أعمّ من الذهني و الخارجي و أعم من الوجود العيني و الفرق بينهما أن الملحوظ بالوجود هو الذي يصحّ انتزاع الوجود منه سواء كان بتجريدها عن الوجود الخارجي أو بدونها فالملحوظ بالوجود مطلقا من حيث الخلط شيء و شيئيته كونه ماهية قابلة له صحيح الخلط به و الوجود هو المعني البديهي المنتزع من الماهية المخلوطة.
فهنا مخلوط و خلط و مخلوط به فالمخلوط كالقابل و المخلوط به كالصفة و الخلط كالاتصاف و هو بما هو قابل و منتزع منه شيء و بما يختلط بالوجود موجود و الشاهد على تغايرها كما ذكرنا صحّة قولك شيء موجود دون موجود شيء و لشدة الاتصال بين المعنيين و صعوبة التميز قال بعض بالعينية و قوم بالمساوقة و حقيقة الأمر ما أشرنا إليه و الحاصل أنّه حقيقة من الحقائق ينتزع منه الوجود لكنه لا يصحّ تجريد حقيقته و تخليته في مرتبة من المراتب عن الوجود كما في الممكنات و أشار إلى ذلك بقوله «غير أنّه لا جسم و لا صورة» أي ليس ماهية من الماهيات المدركة بعقولنا التي قابلة للتجريد عن الوجود الخارجي كالجسم المادة للصورة و الصورة الحالّة فيها و يندرج فيها كلّ الأمور المتعلقة بالمادة و بالمتعلّق بها نحوا من التعلق يعدّ به كالصورة لما يتعلّق به فيدخل فيها النفس و العقل و أكثر الأعراض «و لا يحسّ» أي ليس من شأنه ان يدرك بحاسّة البصر فإن الاحساس في اللغة الابصار قال في الغريبين: قوله (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) ٣ أي علمه و هو في اللغة. أبصره.
ثمّ وضع موضع العلم و الوجود و منه قوله تعالى: (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ) ٤ أي هل ترى يقال هل أحسست فلانا أي هل رأيته انتهى. و لا يجس كما في بعض النسخ أي لا يمكن مسّه باليد و لا يدرك بالحواس الخمس أي لا بذاته و لا بكيفية له فانه لا كيفية له فضلا عن أن يكون له كيفية محسوسة بأحد من الحواس الظاهرة.
ثمّ نفى كونه مدركا بالحسّ الباطني بقوله: «لا تدركه الأوهام» فان الوهم يدرك كل ما يدركه سائر الحواس الباطنة و هو يدرك ما لا تدركه سائر الحواس فلمّا نفى كونه مدركا بالوهم لزم كونه غير مدرك بشيء من الحواس الباطنة.
ثمّ أراد تنزيهه عن النقص و التغير فقال «لا تنقصه الدهور و لا تغيره الأزمان» و لما كان الدهر ظرف الثابت بالنسبة الى المتغير و الزمان ظرف المتغير بما هو متغير و يعبر عنه بنسبته للمتغير فكل ما في الدّهر متّصف بالنقص أي يخلو عمّا يقبله و يستحقّه أو يتّصف بما لا يليق به و الأخرى؟؟؟ بالخلو عنه لكونه موضوعا للتغير فقوله «لا تنقصه الدهور» نفي كونه واقعا في الدهر و موضوعا للمتغير أو مرتبطا بما في الدهر ارتباطا يوجب الاتصاف بما يتّصف به الواقع في الدهر.
و بقوله «و لا تغيره الأزمان» نفي كونه واقعا في الزمان و مرتبطا بما في الزمان ارتباطا يوجب اتصافه بصفات متغيرة. رفيع- (رحمه اللّه).
[٣] . آل عمران/ ٥٢
[٤] . مريم/ ٩٨
[٢] . و في الكافي المطبوع و «المخطوط، م» و لا يحسّ و لا يجسّ، و سيجيء في حديث ٢٨٣ «غير محسوس و لا مجسوس» و زيادة التوضيح يأتي في البيان «ض. ع».