الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٣٨ - بیان
كلها منتهية إلى قدرته و تأثيره و علمه و إرادته و مشيته إما بالذات أو بالعرض فأعمالنا و أفعالنا كسائر الموجودات و أفاعيلها بقضائه و قدره و هي واجبة الصدور منا بذلك و لكن بتوسط أسباب و علل من إدراكاتنا و إراداتنا و حركاتنا و سكناتنا و غير ذلك من الأسباب العالية الغائبة عن علمنا و تدبيرنا الخارجة عن قدرتنا و تأثيرنا فاجتماع تلك الأمور التي هي الأسباب و الشرائط مع ارتفاع الموانع علة تامة يجب عندها وجود ذلك الأمر المدبر المقضي المقدر و عند تخلف شيء منها أو حصول مانع بقي وجوده في حيز الامتناع و يكون ممكنا وقوعيا بالقياس إلى كل واحد من الأسباب الكونية و لما كان من جملة الأسباب و خصوصا القريبة منها إرادتنا و تفكرنا و تخيلنا و بالجملة ما نختار به أحد طرفي الفعل و الترك فالفعل اختياري لنا فإن اللَّه أعطانا القوة و القدرة و الاستطاعة ليبلونا أينا أحسن عملا مع إحاطة علمه.
فوجوبه لا ينافي إمكانه و اضطراريته لا تدافع كونه اختياريا كيف و إنه ما وجب إلا بالاختيار و لا شك أن القدرة و الاختيار كسائر الأسباب من الإدراك و العلم و الإرادة و التفكر و التخيل و قواها و آلاتها كلها بفعل اللَّه تعالى لا بفعلنا و اختيارنا و إلا لتسلسلت القدر و الإرادات إلى غير النهاية و ذلك لأنا و إن كنا بحيث إن شئنا فعلنا و إن لم نشأ لم نفعل لكنا لسنا بحيث إن شئنا شئنا و إن لم نشأ لم نشأ بل إذا شئنا فلم يتعلق مشيتنا بمشيتنا بل بغير مشيتنا فليست المشية إلينا إذ لو كانت إلينا لاحتجنا إلى مشية أخرى سابقة و تسلسل الأمر إلى غير النهاية و مع قطع النظر عن استحالة التسلسل نقول جملة مشياتنا الغير المتناهية بحيث لا يشذ عنها مشية لا تخلو إما أن يكون وقوعها بسبب أمر خارج عن مشيتنا أو بسبب مشيتنا و الثاني باطل لعدم إمكان مشية أخرى خارجة عن تلك الجملة و الأول هو المطلوب فقد ظهر أن مشيتنا ليست تحت قدرتنا كما قال اللَّه عز و جلوَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ[١]* فإذا نحن في مشيتنا مضطرون[٢] و إنما تحدث المشية عقيب الداعي و هو تصور الشيء الملائم تصورا ظنيا أو
[١] . الإنسان/ ٣٠- و- التكوير/ ٢٩.
[٢] . قال المحقق الطوسيّ نصير الملّة و الدين في بعض رسائله المعمول لتحقيق الأمر بين الأمرين: العبد مختار في الفعل و الترك إلّا أنّ مشيئته ليست تحت قدرته كما قال اللّه تعالى (وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ)* فاذن نحن في مشيئتنا مضطرّون و في عين الاختيار مجبورون «الهدايا».