الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٣٧ - بیان
بالإحسان أولى بالعقوبة من الذي يرضى به قوله و مجوسها إشارة إلى
الحديث النبوي المشهور القدرية مجوس هذه الأمة.
و وجه تسميتهم بالمجوس مشاركتهما في سلب الفعل عن العبد فإن المجوس يسندون الخيرات إلى اللَّه و الشرور إلى إبليس و تحقيق هذا المقام يحتاج إلى بسط من الكلام فنقول و بالله التوفيق اعلم أن القدر في الأفعال و خلق الأعمال من الأسرار و الغوامض التي تحيرت فيها الأفهام و اضطربت فيها آراء الأنام و لم يرخص في إفشائها بالكلام فلا يدون إلا مرموزا و لا يعلم إلا مكنونا لما في إظهاره من إفساد العامة و هلاكهم و لهذا لم يرد في بيانه إلا مجملات و ترى أئمتنا ع تارة يقولون في مثله هكذا خرج إلينا كما مر و أخرى يقولون لا جبر و لا قدر و لكن منزلة بينهما فيها الحق التي بينهما لا يعلمها إلا العالم أو من علمها إياه العالم كما يأتي.
و عن النبي ص القدر سر اللَّه فلا تظهروا سر اللَّه.
و في معناه أخبار أخر فالغور فيه ممنوع منه إلا أنه يمكن الإشارة إلى لمعة منه لمن كان أهله بنقل المذاهب و بيانها فإن الآراء أربعة اثنان فاسدان و هما الجبر و التفويض اللذان هلك بهما كثير من الناس و اثنان دائران حول التحقيق و مرجعهما إلى الأمر بين الأمرين أحدهما أقرب إلى الحق و النقول و أبعد من الأفهام و العقول و هو طريقة أهل الشهود العارفين بأسرار الأخبار و الآخر بالعكس و هو طريقة أهل العقول و الأنظار و بيان الأول عسير لغموضه جدا فلنطوها طيا و نكتفي ببيان الثاني و إن لم نرتضه لتضمنه أكثر ما يترتب على الجبر من المفاسد في بادئ النظر و عند النظر القاصر إلا أنه يخرج عقول الخواص من بعض أسباب الحيرة.
و لهذا مال إليه فحول العلماء و لنذكر في بيانه ما ذكره بعض المحققين موافقا لما حققه المحقق الطوسي نصير الملة و الدين قدس اللَّه سره في بعض رسائله المعمول في ذلك قال قد ثبت أن ما يوجد في هذا العالم فقد قدر بهيئته و زمانه في عالم آخر فوق هذا العالم قبل وجوده و قد ثبت أن اللَّه عز و جل قادر على جميع الممكنات و لم يخرج شيء من الأشياء عن مصلحته و علمه و قدرته و إيجاده بواسطة أو بغير واسطة و إلا لم يصلح لمبدئية الكل فالهداية و الضلالة و الإيمان و الكفر و الخير و الشر و النفع و الضر و سائر المتقابلات