الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٥٤ - بیان
و ما تقدمها و تحقيق المقام يقتضي بسطا من الكلام و فتح باب علم مكنون لا تسعه العقول المشوبة بالأوهام و نحن نشير إلى لمعة منه لمن كان أهله سائلين من اللَّه عز و جل أن يحفظها عن القاصرين المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق إن شاء اللَّه.
فنقول ليعلم أن نسبة ذاته سبحانه إلى مخلوقاته يمتنع أن تختلف بالمعية و اللامعية و إلا فيكون بالفعل مع بعض و بالقوة مع آخرين فيتركب ذاته سبحانه من جهتي فعل و قوة و يتغير صفاته حسب تغير المتجددات المتعاقبات تعالى عن ذلك بل نسبة ذاته التي هي فعلية صرفة و غناء محض من جميع الوجوه إلى الجميع و إن كان من الحوادث الزمانية نسبة واحدة و معية قيومية ثابتة غير زمانية و لا متغيرة أصلا و الكل بغنائه بقدر استعداداتها مستغنيات كل في وقته و محله و على حسب طاقته و إنما فقرها و فقدها و نقصها بالقياس إلى ذواتها و قوابل ذواتها و ليس هناك إمكان و قوة البتة فالمكان و المكانيات بأسرها بالنسبة إلى اللَّه سبحانه كنقطة واحدة في معية الوجود و السماوات مطويات بيمينه و الزمان و الزمانيات بآزالها و آبادها كان واحد عنده في ذلك جف القلم بما هو كائن ما من نسمة كائنة إلا و هي كائنة.
و الموجودات كلها شهادياتها و غيبياتها كموجود واحد في الفيضان عنهما خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ[١] و إنما التقدم و التأخر و التجدد و التصرم و الحضور و الغيبة في هذه كلها بقياس بعضها إلى بعض و في مدارك المحبوسين في مطمورة الزمان المسجونين في سجن المكان لا غير و إن كان هذا لمما تستغربه الأوهام و يشمئز عنه قاصروا الأفهام.
و أما قوله عز و جلكُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ[٢] فهو كما قاله بعض أهل العلم إنها شئون يبديها لا شئون يبتديها و لعل من لم يفهم بعض هذه المعاني يضطرب فيصول و يرجع فيقول كيف يكون وجود الحادث في الأزل أم كيف يكون المتغير في نفسه ثابتا عند ربه أم كيف يكون الأمر المتكثر المتفرق وحدانيا جميعا أم كيف يكون الأمر
[١] . لقمان/ ٢٨.
[٢] . الرحمن/ ٢٩.