الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٤ - المقدمة الأولى في التنبيه على طريق معرفة العلوم الدينية
و يحفظونها كما يتحملونها و يبالغون في نقدها و تصحيحها و رد زيفها و قبول صحيحها و تخريج صوابها و سليمها من خطئها و سقيمها حتى يرى أحدهم لا يستحل نقل ما لا وثوق به و لا إثبات ذلك في كتبه إلا مقرونا بالتضعيف و مشفوعا بالتزييف طاعنا في من يروي كل ما يروى و يسطر كل ما يحكى كما هو غير خاف على من تتبع كتب الرجال و تعرف منها الأحوال.
و كانوا لا يعتمدون على الخبر الذي كان ناقله منحصرا في مطعون أو مجهول[١] و ما لا قرينة معه تدل على صحة المدلول و يسمونه الخبر الواحد[٢] الذي لا يوجب علما و لا عملا و كانوا لا يعتقدون في شيء من تفاصيل الأصول الدينية و لا يعملون في شيء من الأحكام الشرعية إلا بالنصوص المسموعة عن أئمتهم ع و لو بواسطة ثقة أو وسائط ثقات و كانوا مأمورين بذلك من قبل أولئك السادات و لا يستندون في شيء منها إلى تخريج الرأي بتأويل المتشابهات و تحصيل الظن باستعانة الأصول المخترعات الذي يسمى بالاجتهاد و لا إلى اتفاق آراء الناس الذي يسمى بالإجماع كما يفعل ذلك كله الجمهور من العامة و كانوا ممنوعين عن ذلك كله من جهتهم ع و من جهة صاحب الشرع بالآيات الصريحة و الأخبار الصحيحة و كان المنع من ذلك كله معروفا من مذهبهم مشهورا منهم حتى بين مخالفيهم كما صرح به طائفة من الفريقين.
ثم لما انقضت مدة ظهور الأئمة المعصومين صلوات اللَّه عليهم أجمعين و انقطعت السفراء بينهم و بين شيعتهم و طالت الغيبة و اشتدت الفرقة و امتدت دولة الباطل و خالطت الشيعة بمخالفيهم و ألفت في صغر سنهم بكتبهم إذ كانت هي المتعارف تعليمها في المدارس و المساجد و غيرها لأن الملوك و أرباب الدول كانوا منهم و الناس إنما يكونون مع الملوك و أرباب الدول فعاشرت معهم في مدارسة العلوم الدينية
[١] . مجهول الدّين أو مجهول الحال.
[٢] . الخبر الواحد بهذا المعنى هو الذي نقل السيّد المرتضى رحمه اللّه إجماع الإماميّة على ترك العمل به، دون ما ليس بمتواتر و بهذا يجمع بين قوله و قول العلّامة الحلّي حيث نقل إجماع الإماميّة على العمل بخبر الواحد، كأنّه أراد به غير هذا النوع من الخبر- منه دام ظلّه.