التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٦ - ميزات تفسير التابعي
ميزات تفسير التّابعيّ
يمتاز التفسير في عهد التابعين بمميّزات، تفصلها عن تفاسير الصحابة من وجوه:
أوّلًا: التوسّع فيه. فقد تعرّض التابعون لمختلف أبعاد التفسير، و خاضوا معاني القرآن، من مختلف الجهات و المناحي. بينما كان تفسير الصحابة مقتصرا على جوانب محدودة من اللغة، و شأن النزول، و بعض المفاهيم الشرعيّة؛ لرفع ما أُبهم على الناس من هذه الجهات فحسب. فقد خطا تفسير التابعيّ خطوات أوسع و في جوانب أكثر.
و من ثَمّ فإن التفسير في هذا العهد، يشمل جوانب الأدب و اللغة في أبعاد مترامية، و هكذا التاريخ لأُمم سالفة، و امم معاصرة مجاورة لجزيرة العرب، تاريخ حياتهم و بلادهم، على ما وصلت إليهم من أخبارهم، و حتّى بعض لغاتهم و ثقافاتهم، ممّا يمسّ جانب القرآن. و هكذا دخل في التفسير بحوث كلاميّة نشأت ذلك العهد، و ارتبطت مع كثير من آي القرآن بعض الربط، كآيات الصفات و المبدأ و المعاد، و ما شابه.
و قد أخذ هذا التوسّع بازدياد مطّرَد، و في أبعاد مستجدّة كلّما توسّعت العلوم و المعارف، و ازداد التعرّف إلى آداب و ثقافات كان يملكها امم يدخلون في دين اللّه أفواجا، و معهم علومهم و معارفهم، يحملونها و يجعلونها في خدمة الإسلام و المسلمين، و كانت لم تزل تتّسع مع اتّساع رقعة الإسلام.
و لا يزال حجم التفسير يتضخّم؛ حيث وفرة العلوم و المعارف المساعدة لحلّ قسط وافر من مشاكل غامضة ممّا تحتضنه كثير من آيات كونيّة أو لافتة إلى خبايا أسرار الوجود. و للعلم و الفلسفة في جميع مناحيهما حظّهما الأوفر في هذا المجال.
*** ثانيا: تشكّله و ثبته، ثمّ تدوينه. كان التفسير على عهد الصحابة كحاله في عهد الرسالة، منتثرا على أفواه الرجال، و مبثوثا بين أظهرهم، محفوظا في الصدور، لقصر خطاه و قرب مداه. و مقتصرا على بضع كلمات لبضع آيات، كانت خافية المفاد، أو مبهمة المراد حينذاك.