التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٩ - الثاني آية قصر الصلاة
المسلمين، منذ العهد الأول كانوا يقصرون من الصلاة استنادا إلى هذه الآية الكريمة، الواردة- بظاهرها- في صلاة الخوف فقط.
قال تعالى: «وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَ لْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَ أَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً ...»[١].
ظاهر العبارة، أنّ جملة الشرط «إِنْ خِفْتُمْ» قيد في الموضوع، يعني القصر في الصلاة- عند الضرب في الأرض- مشروط بوجود الخوف، و من ثَمّ جاء شرح صلاة الخوف في الآية التالية لها.
و الفتنة- هنا-: الشدّة و المحنة و البلاء، أي خوف أن يفجعوكم بالقتل و النهب و الأسر، كما في قوله تعالى: «عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ»[٢]، و قوله: «وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ»[٣]، و «وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ»[٤] أي يفجعوك ببليّة و شدّة و مصيبة.
قال الطبرسيّ: ظاهر الآية يقتضي أنّ القصر لا يجوز إلّا عند الخوف. لكنّا قد علمنا جواز القصر عند الأمن ببيان النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم، و يُحتمل أن يكون ذكر الخوف في الآية قد خرج مخرج الأعمّ الأغلب عليهم في أسفارهم، فإنّهم كانوا يخافون الأعداء في عامّتها.
و مثلها في القرآن كثير[٥].
قال المحقّق الفيض: قيل: كأنّهم أَلِفُوا الإتمام و كان مظنّة لأن يخطر ببالهم أنّ عليهم نقصانا في التقصير، فرفع عنهم الجُناح؛ لتطيب نفوسهم بالقصر و يطمئنّوا إليه[٦].
[١] -. النساء ١٠١: ٤- ١٠٢.
[٢] -. يونس ٨٣: ١٠.
[٣] -. المائدة ٤٩: ٥.
[٤] -. الإسراء ٧٣: ١٧.
[٥] -. مجمع البيان، ج ٣، ص ١٠١.
[٦] -. تفسير الصافي، ج ١، ص ٣٨٨- ٣٨٩.