التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦١ - هل تناول النبي القرآن كله بالبيان؟
القرآن و مقاصده الكريمة. و نقل عن الإمام الشافعيّ: أنّ كلّ ما حكم به رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم فهو ممّا فهمه من القرآن و بيّنه، و قال صلى الله عليه و آله و سلم: «ألا إنّي أُوتيت القرآن و مثله معه»، يعني السنّة. و أخيرا نقل كلام ابن تيميّة الآنف، و عقّبه بالتأييد، بما أخرجه أحمد و ابن ماجة عن عمر، أنّه قال: من آخر ما نزل آية الربا، و أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم قُبض قبل أن يفسّرها. قال السيوطيّ: دلّ فحوى الكلام على أنّه صلى الله عليه و آله و سلم كان يفسّر لهم كلّ ما أُنزل، و أنّه إنّما لم يفسّر هذه الآية؛ لسرعة موته بعد نزولها، وإلّا لم يكن للتخصيص بها وجه.[١]
و أمّا حديث عائشة- لو صحّ السند، و لم يصحّ كما قالوا-[٢] فهو ناظر إلى جانب رعاية الترتيب في تفسير الآي، أعدادا فأعدادا، أو حسب عدد الآي التي كان ينزل بها جبرائيل.
و هذا يشير إلى نفس المعنى الذي رويناه عن ابن مسعود و تلميذه السُلَميّ، و قد نقله ابن تيميّة نقلًا بالمعنى. قال السُلَميّ: حدّثنا الذين كانوا يُقرئوننا القرآن، أنّهم كانوا إذا تعلّموا من النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم عشر آيات، لم يجاوزوها حتّى يتعلّموا ما فيها من العلم و العمل، قالوا:
فتعلّمنا القرآن و العلم و العمل جميعا[٣].
قال الخطيب: هذا أقدم نصّ تاريخيّ عرفنا به الطريقة التي كان يتعلّم بها المسلمون الأوّلون، كانوا لا يعنون بالإكثار من العلم إلّا بعد إتقان ما يتعلّمونه منه، و بعد العمل به[٤].
*** و أمّا الوسط الذي اختاره، و أنّ الذي لم يبيّنه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم من القرآن: هو ما استأثر اللّه بعلمه، كقيام الساعة، و حقيقة الروح، و ما يجري مجرى ذلك من الغيوب التي لم يطّلع اللّه عليها نبيّه ...[٥] فشيء غريب! إذ لم نجد في معاني القرآن ما استأثر اللّه بعلمه، و لو كان لكان الأجدر عدم إنزاله، و الكفّ عن جعله في متناول الناس عامّة. و قد تعرّض المفسّرون
[١] -. المصدر نفسه، ص ١٧٤ و ١٧٥ و ٢٥٨.
[٢] -. ذكروا أنّه حديث منكر غريب، و الاستدلال به باطل التفسير و المفسّرون، ج ١، ص ٥٢.
[٣] -. راجع: رسالة الإكليل، المطبوعة ضمن المجموعة الثانية من رسائل ابن تيميّة، ص ٣٢.
[٤] -. هامش مقدّمة في اصول التفسير، ص ٦.
[٥] -. التفسير و المفسّرون، ج ١، ص ٥٣ و ٥٤.