التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٦ - منهج القرآن في الإفادة و البيان
و كقوله تعالى في سورة الواقعة: «أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ»[١] إشارة إلى مسألة «الاستطاعة» و أن لا استقلال للعباد فيما يتصرّفون من أفعالهم الاختياريّة.
و الأمثلة على ذلك كثيرة و منبثّة في القرآن الكريم، غير خفيّة على الناقد البصير.
*** و جهة رابعة: قد سلك القرآن في تعاليمه و برامجه الناجحة مسلكا، ينتفع به الجمهور، و يخضع له العلماء، و من ثَمّ جاء بتعابير يفهمها كلّ من الصنفين: الجمهور يأخذون بظاهر الكلام و يتصوّرون له من المعاني ما ألفت بها أذهانهم في الامور المحسوسة، و يحسبون فيما وراء محسوسهم ما يشاكل المحسوس، و يقتنعون بذلك، و يستريح بالهم.
و العلماء يعرفون حقيقة الحال التي جاءت في طيّ المقال، و يأخذون بلطائف الإشارات و ظرائف الكنايات التي مثّلت لهم الحقيقة في واقع الأمر، بما يخضعهم له و يطمئنّون إليه.
خذ لذلك مثلًا قوله تعالى- تعبيرا عن ذاته المقدّسة في عالم الكون-: «اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ...»[٢] لمّا كان أرفع الموجودات في الحسّ هو النور، ضرب اللّه به المثال، و بهذا النحو من التصوّر أمكن للجمهور أن يفهموا من الذات المقدّسة موجودا أجلى و أظهر فيما وراء الحسّ، يشبه أن يكون مثل النور في المحسوس شبها ما، و يقتنعون بذلك.
أمّا العلماء فيرون من هذا التشبيه أقرب ما يكون تصوّرا من ذاته المقدّسة، فليس في عالم المحسوس ما يكون على مثاله، و في أخصّ أوصافه تعالى كالنور الذي هو ظاهر في نفسه، و مظهر لغيره، و ليس شيء في عالم المحسوس (المبصَرات) إلّا و يكون ظهوره بالنور، أمّا النور فهو ظاهر بنفسه و ليس بغيره.
[١] -. الواقعة ٦٤: ٥٦.
[٢] -. النور ٣٥: ٢٤.