التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٢ - أ) مسح الرأس
فمنها: ما ورد في تفسير آية الوضوء، و آية التقصير في الصلاة، و آية خمس الغنائم، و قطع يد السارق، و تحريم الخمر، و جزاء قتل المؤمن، و الطلاق الثلاث، و متعة النساء و الحجّ، و الرجعة قبل الحشر الأكبر، و مسألة البداء في التكوين. و إليك:
الأوّل: آية الوضوء
قوله تعالى: «وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ»[١].
أ) مسح الرأس
روى ثقة الإسلام أبو جعفر الكلينيّ بإسناده عن طريق عليّ بن إبراهيم إلى زرارة، سأل أبا جعفر الباقر عليه السلام قال: ألا تُخبرني من أين علمت و قلت: إنّ المسح ببعض الرأس؟
فضحك الإمام عليه السلام ثمّ قال: يا زرارة، قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و نزل به الكتاب. ثمّ فصّل الكلام فيه و قال: لأنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ» فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يُغسل، ثمّ قال: «وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ». ثمّ فَصَل بين الكلامين فقال: «وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ» فعرفنا حين قال: «بِرُؤُسِكُمْ» أنّ المسح ببعض الرأس، لمكان الباء ...[٢]
يعني أنّه غيّر الاسلوب و زاد حرف الربط «الباء» بين الفعل و متعلّقه، مع عدم حاجة إليه في ظاهر الكلام؛ حيث كلا الفعلين (الغَسل و المسح) متعدّيان بأنفسهما، يقال: مسحه مسحا، كما يقال: غسله غسلًا[٣]. فلا بدّ هناك من نكتة معنويّة في هذه الزيادة غير اللازمة حسب الظاهر؛ إذ زيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني.
و قد أشار عليه السلام إلى هذا السرّ الخفيّ بإفادة معنى التبعيض في المحلّ الممسوح، استنباطا من موضع الباء هنا. ذلك أنّه لو قال: و امسحوا رؤوسكم، لاقْتَضى الاستيعاب، كما في غَسل الوجه.
فقوله: «وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ» يستدعي التكليف بالمسح مرتبطا بالرأس، أي أنّ
[١] -. المائدة ٦: ٥.
[٢] -. الكافي، ج ٣، ص ٣٠، رقم ٤.
[٣] -. قال ابن مالك: علامة الفعل المعدّى أن تصل ها غير مصدر به نحو عمل.