التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٢ - المنع من الترجمة و أخطارها
في الغالب (بل الأكثريّة الساحقة) متوافق مع الأصل في النظم و الترتيب حتّى في الاسلوب البيانيّ، إن أمكن ذلك، و كانت اللغة المترجَمة إليها متقاربة مع اللغة المترجَم عنها في تلكم المصطلحات و فنون المحاورة غالبا. و المعهود أنّ لغات الامم المتجاورة، قريبات بعضهنّ مع البعض في آفاق التعبير و البيان.
و الترجمة المعنويّة، هي الراجحة و المتداولة في الأوساط العلميّة و الأدبيّة، منذ عهد سحيق، و هي الوسيلة الناجحة لبثّ الدعوة بين الملأ على مختلف لغاتهم و ألسنتهم، و قد جرت عليها سيرة المسلمين و لا تزال قائمة على ساق. و لا شكّ أنّ عرض مفاهيم القرآن و حقائقه الناصعة، على ذوي الأحلام الراجحة من سائر الامم، من أنجح الوسائل في أداء رسالة اللّه إلى الخلق، التي تحمّلتها عواتق هذه الامّة[١]، الأمر الذي لا يمكن إلّا بتبيين و ترجمة النصوص الإسلاميّة- كتابا و سنّه- و عرضها بألسن الامم و لغاتهم المألوفة[٢].
و من ثمّ كانت ترجمة القرآن ترجمة صحيحة، ضرورة دعائيّة يستدعيها صميم الإسلام و واقع القرآن، حسبما يأتي.
المنع من الترجمة و أخطارها
لم تسبق من علماء الإسلام نظرةُ منعٍ من ترجمة القرآن، بعد أن كانت ضرورة دعائيّة، لمسها دعاة الإسلام من أوّل يومه. و إنّما حدث القول بعدم الجواز في عصر متأخّر (في القرن الماضي، في تركيا العثمانيّة، و في مقاطعاتها العربيّة، مثل سوريا و مصر) و لعلّها فكرة استعماريّة تبشيريّة، محاولةً لشدّ حصار قلعة الإسلام، دون نشره و بثّ تعاليم الإسلام، في المناطق غير العربيّة.
قال الدكتور عليّ شوّاخ: فلو تدبّرنا و تعمّقنا لوجدنا أنّ القول بالمنع عاصر فتوى النصارى الغربيّين و استعمارهم لبلاد الإسلام، فقد حاولوا تنصير المسلمين بكلّ وسيلة، و لم يكتفوا بإرسال المبشّرين في شتّى الملابس، بل منعوا أيضا تدريس اللغة العربيّة
[١] -. البقرة ١٤٣: ٢.
[٢] -. إبراهيم ٤: ١٤.