التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢ - هل يعلم التأويل غير الله؟
المكنون[١]. و هكذا ذكر الطبرسيّ و غيره في تفسير قوله تعالى: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ»[٢] أنّه إشارة إلى مقامه الرفيع عند اللّه، و قد جرى في علمه تعالى أنّه محفوظ عن مناوشة المناوئين.
قال سيّد قطب: «إنّه لقرآن كريم: كريم بمصدره، و كريم بذاته، و كريم باتّجاهاته. في كتاب مكنون: مصون، و تفسير ذلك في قوله تعالى بعده: لا يمسّه إلّا المطهّرون. فقد زعم المشركون أنّ الشياطين تنزّلت به، فهذا نفي لهذا الزعم. فالشيطان لا يمسّ هذا الكتاب المكنون في علم اللّه و حفظه، إنّما تنزّل به الملائكة المطهّرون؛ و لذلك قال- بعدها-:
تنزيل من ربّ العالمين، أي لا تنزيل من الشّياطين»[٣].
هل يعلم التأويل غير اللّه؟
سؤال أثارته ظاهرة الوقف على «إِلَّا اللَّهُ» من قوله تعالى: «وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ» ثمّ الاستئناف لقوله: «وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا»[٤].
و ما ورد في بعض الأحاديث من اختصاص علم التأويل باللّه تعالى، و أنّ الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، و إنّما يكلون علمه إلى اللّه سبحانه؛ من ذلك ما ورد في خطبة الأشباح من كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام:
«فانظر أيّها السائل، فما دلّك القرآن عليه من صفته فائتَمّ به و استضِئ بنور هدايته، و ما كلّفك الشيطان عِلمَه ممّا ليس في الكتاب عليك فرضُه، و لا في سنّة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و أئمّة الهدى أثره، فَكِلْ عِلمَه إلى اللّه سبحانه. فإنّ ذلك منتهى حقّ اللّه عليك. و اعلم أنّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السُّدَد المضروبة دون الغيوب، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب. فمدح اللّه تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول
[١] -. راجع: تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد، ص ٢٩؛ التفسير الكبير، ج ٢٣، ص ٦٦ و ج ٢٨، ص ١٥٢.
[٢] -. الواقعة ٧٧: ٥٦- ٧٩.
[٣] -. في ظلال القرآن لسيّد قطب، ج ٧، ص ٧٠٦؛ و راجع: مجمع البيان، ج ٩، ص ٢٢٦.
[٤] -. آل عمران ٧: ٣.