التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٥ - ميزات تفسير التابعي
قال: و احتجّ على مذهبه بوجوه:
الأوّل: أنّ المشهور في اللغة في قوله: «فَصُرْهُنَّ»: أمِلهنّ. أمّا التقطيع و الذبح فليس في الآية ما يدلّ عليه. فكان إدراجه في الآية إلحاقا لزيادة بالآية لم يدلّ الدليل عليها، و أنّه لا يجوز.
الثاني: أنّه لو كان المراد ب- «صرهن»: قطّعهنّ، لم يقل: «إِلَيْكَ»، فإنّ ذلك لا يتعدّى بإلى، و إنّما يتعدّى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: في الكلام تقديم و تأخير، و التقدير: فخذ إليك أربعة من الطير فصرهنّ؟ قلنا: التزام التقديم و التأخير من غير دليل مُلجئ إلى التزامه خلاف الظاهر.
و أيضا الضمير في «يَأْتِينَكَ» عائد إليها لا إلى أجزائها، و على قولكم: إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير في «يَأْتِينَكَ» عائدا إلى أجزائها لا إلى الطيور أنفسها[١].
ثمّ إنّ الإمام الرازيّ يذكر حجج المشهور رادّا على أبي مسلم. و قد نقلها صاحب تفسير المنار و ضعّفها، و أيّد مذهب أبي مسلم في تفسير الآية في شرح و تفصيل، ثمّ قال:
و جملة القول: أنّ تفسير أبي مسلم لهذه الآية هو المتبادر الذي يدلّ عليه النظم، و هو الذي يجلّي الحقيقة في المسألة، و أخذ في تقريب ذلك. و أخيرا قال: و للّه درّ أبي مسلم، ما أدقّ فهمه و أشدّ استقلاله فيه[٢].
و هذه أيضا شهادة بشأن أبي مسلم، من أكبر علماء التفسير في العصر الأخير.
*** هذا، و لأمثال أبي مسلم مواقف مشرّفة تجاه سائر المفسّرين الظاهريّين، كانت نوافذ قلوب أمثاله متفتّحة، يسيرون في ضوء العقل و على مناهج التفكير المتين[٣].
و هذا إن دلّ فإنّما يدلّ على مدى قوّة الاجتهاد و دوره المجيد في تفسير القرآن الكريم، و الذي فتح بابه بمصراعين، نُبَهاء السلف الصالح أيّام الصحابة و التابعين،
[١] -. التفسير الكبير، ج ٧، ص ٤١- ٤٢.
[٢] -. راجع: المنار، ج ٣، ص ٥٦- ٥٨.
[٣] -. و سنعرض نماذج من تفاسيرهم التي جاء نسجها على نفس المنوال، في فصول قادمة إن شاء اللّه.