التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٩ - ميزات تفسير التابعي
و يعود الفضل في ذلك إلى الصحابيَّين الجليلين: ابن عبّاس و ابن مسعود، و على رأسهما الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.
*** هذا مجاهد بن جَبْر، متخرّج مدرسة ابن عبّاس، و قد أجمعت الامّة على إمامته و الاحتجاج بكلامه[١].
رُمي بحرّيّة الرأي في التفسير، و إن شئت فقل: حُظي بقوّة الفهم و حدّة النظر و وفور العقل و الذكاء.
نعم، حيث كانت عقليّة الجمود، هي الساطية على غوغاء الناس حينذاك، كان توجيه هكذا تُهم إلى أمثال هؤلاء الأفذاذ، يبدو طبيعيّا في ظاهر الحال.
قيل له: أنت الذي تفسّر القرآن برأيك؟! فبكى، و قال: إنّي إذن لجريء. لقد حملت التفسير (أي اصول مبانيه و طرائق استنباط معانيه) عن بضعة عشر رجلًا من أصحاب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم.
نعم، كان مجاهد يحمل ذهنيّة متحرّرة عن قيود الأوهام، و عقليّة واعية تمكّنه من إدراك الحقائق و لمسها في واقع أمرها، دون الاقتصار على الظاهر و الاقتناع بالقشور. إنّه كان يعرض الآي القرآنيّة- لغرض فهم معانيها- على المتفاهم العامّ من الألفاظ و الكلمات، ثمّ على مباني الشريعة و شواهد التاريخ و نحوها، ممّا كان متعارَفا لفهم المعاني لدى العرف العامّ. لكن من غير أن يقتنع بذلك، حتّى يعرضها على فهم العقل و توافق الفطرة، من غير أن يختفي عنه شيء من الشواهد و دقائق الكلام.
قال- في تفسير قوله تعالى: «فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ»[٢]-: لم يُمسَخوا قردةً، و إنّما هو مثل ضربه اللّه، كما قال: «كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً»[٣] قال: إنّه مُسخت قلوبهم، فجعلت
[١] -. هكذا ذكر الذهبيّ. و عن سفيان: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. و عن الأعمش: إذا نطق خرج من فيه اللؤلؤ. راجع: ترجمته فيما قدّمنا.
[٢] -. البقرة ٦٥: ٢.
[٣] -. الجمعة ٥: ٦٢.