التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٢ - التفسير بالرأي
و روى ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكلينيّ بإسناده إلى الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام قال: «ما علمتم فقولوا، و ما لم تعلموا فقولوا: اللّه أعلم. إنّ الرجل لينتزع بالآية فيخرّ بها أبعد ما بين السماء و الأرض»[١].
و كذا إذا استبدّ برأيه و لم يهتمّ بأقوال السلف و المأثور من أحاديث كبار الأئمّة و العلماء من أهل البيت عليهم السلام. و كذا سائر المراجع التفسيريّة المعهودة، فإنّ من استبدّ برأيه هلك، و من ثَمّ فإنّه إن أصاب أحيانا فقد أخطأ الطريق، و لم يؤجر.
روى أبو النضر محمّد بن مسعود بن عيّاش بإسناده إلى الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام قال: «من فسّر القرآن برأيه، إن أصاب لم يؤجر، و إن أخطأ فهو أبعد من السماء»[٢]، إلى غيرها من أحاديث يُستشَفّ منها أنّ السرّ في منع التفسير بالرأي أمران:
أحدهما: التفسير لغرض المِراء و الغلبة و الجدال. و هذا إنّما يعمد إلى دعم نظرته و تحكيم رأيه الخاصّ، بما يجده من آيات متشابهة صالحة للتأويل إلى مطلوبه، إن صحيحا أو فاسدا، غير أنّ الآية لا تهدف ذلك لولا الالتواء بها في ذلك الاتّجاه؛ و لذلك فإنّه حتّى لو أصاب في المعنى لم يؤجر؛ لأنّه لم يقصد تفسير القرآن، و إنّما استهدف نصرة مذهبه أيّا كانت الوسيلة.
و هذا ناظر في الأكثر إلى الآيات المتشابهة لغرض تأويلها، فالنهي إنّما عنى التأويل غير المستند إلى دليل قاطع «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ»[٣].
ثانيهما: التفسير من غير استناد إلى أصل ركين، اعتمادا على ظاهر التعبير محضا، فإنّ هذا هو من القول بلا علم، و هو ممقوت لا محالة، و لا سيّما في مثل كتاب اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه. و من ثَمّ فإنّه أيضا غير مأجور على عمله حتّى و لو أصاب المعنى؛ لأنّه أورد أمرا خطيرا من غير مورده، و الأكثر الغالب في مثله الخطأ
[١] -. الكافي الاصول، ج ١، ص ٤٢، رقم ٤.
[٢] -. تفسير العيّاشيّ، ج ١، ص ١٧، رقم ٤.
[٣] -. آل عمران ٧: ٣.