التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٩ - قيمة تفسير الصحابي
و قد كان يجلس للتفسير فيقع موضع إعجاب. قال أبو وائل: حججت أنا و صاحب لي، و ابنُ عبّاس على الحجّ، فجعل يقرأ سورة النور و يفسّرها. فقال صاحبي: يا سبحان اللّه، ماذا يخرج من رأس هذا الرجل، لو سمِعَتْ هذا التُركُ لأسلمت. و في رواية عن شقيق: ما رأيت و لا سمعت كلام رجل مثله، لو سمعته فارس و الروم لأسلمت. و قال عبد اللّه بن مسعود: نِعم ترجمان القرآن ابن عبّاس[١].
و أسلفنا حديث مسروق بن الأجدع: وجدت أصحاب محمّد صلى الله عليه و آله و سلم كالإخاذ، فالإخاذة تكفي الراكب، و الإخاذة تكفي الراكبين، و الإخاذة تكفي الفِئام من الناس.
و في لفظ آخر: لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم[٢]. كناية عن أنّهم كانوا على درجات من العلم، كانوا يصدرون الناس عن رويّ كان مستقاه و مادّته الأُولى، هو النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم هو ربّاهم و أدّبهم فأحسن تأديبهم، و إن كانوا هم على تفاوت في استعداد الأخذ و التلقّي «أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها»[٣].
*** و بعد، فإذ كانت تلك حالة العلماء من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم لا يصدرون الناس إلّا عن مصدر الوحي الأمين، و لا ينطقون إلّا عن لسانه الناطق بالحقّ المبين، فكيف يا تُرى مبلغ اعتبار ما يصدر عن ثُلّة، هم حملة علم الرسول، و الحفظة على شريعته الأُمناء؟!
نعم، كان الشرط في الحجّيّة و الاعتبار أوّلًا: صحّة الإسناد إليهم، و ثانيا: كونهم من الطراز الأعلى. و إذ قد ثبت الشرطان، فلا محيص عن جواز الأخذ و صحّة الاعتماد، و هذا لا شكّ فيه بعد الذي نوّهنا.
إنّما الكلام في اعتبار ذلك حديثا مسندا و مرفوعا إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم، بالنظر إلى كونه الأصل في تربيتهم و تعليمهم، أو أنّه استنباط منهم، لمكان علمهم و سعة اطّلاعهم فربّما أخطأوا في الاجتهاد، و إن كانت إصابتهم في الرأي أرجح في النظر الصحيح. الأمر الذي
[١] -. المصدر نفسه، ص ٥٣٧.
[٢] -. التفسير و المفسّرون، ج ١، ص ٣٦.
[٣] -. الرعد ١٧: ١٣.