التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٣ - ميزات تفسير التابعي
شخصيّة بارزة، مارس عقله و شاور لُبّه عند تفهّم القرآن، ممّن نبذ التقليد و أخذ في التدقيق.
و أنت إذا قارنت هذا التفسير لهذا الموضع بالذات، مع سائر التفاسير التي عرضها القوم، تجد الفرق بائنا و البون شاسعا.
ذكر أبو جعفر الطبريّ: أنّ عدم التكلّم هناكان عن عجز، سلبه اللّه القدرة على الكلام، فيما سوى التسبيح و التحميد؛ و ذلك تمحيصا له من هفوته و خطأ قيله في سؤاله الآية.
قيل: إنّه لمّا سمع نداء الملائكة يبشّرونه بيحيى، جاءه الشيطان من فوره و قال له: يا زكريّا، إنّ الصوت الذي سمعت ليس من عند اللّه، إنّما هو الشيطان يسخر بك. قالوا: فشكّ زكريّا في مكانه، و قال: «أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ»[١]. و من ثَمّ طلب من اللّه أن يجعل له آية، يرتفع بها شكّه، فعاتبه اللّه على مسألته تلك، و أنّه لا ينبغي لنبيّ أن يشكّ.
قال الطبريّ- فيما رواه-: إنّما عوقب بذلك، لأنّ الملائكة شافهته مشافهة بذلك، فبشّرته بيحيى، فلمّا سأل الآية بعد كلام الملائكة مشافهةً؛ أخذ اللّه عليه بلسانه، فكان لا يقدر على الكلام إلّا إيماءً[٢].
و قال القرطبيّ: لمّا بُشّر بالولد و لم يبعد عنده هذا في قدرة اللّه، طلب آية يعرف بها صحّة هذا الأمر، و كونه من عند اللّه، فعاقبه اللّه بأن أصابه السكوت عن كلام الناس، لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إيّاه[٣]. و هكذا أكثر المفسّرين من أصحاب النقل في التفسير كابن كثير و أضرابه[٤].
غير أنّ أرباب التحقيق رفضوا تلك النقول المنافية لأُصول العقيدة الإسلاميّة، و لا سيّما فيما يمسّ جانب عصمة الأنبياء و صيانتهم عن إمكان غلبة الشيطان على مشاعرهم.
قال الشيخ محمّد عبدُه: و من سخافات بعض المفسّرين، و التي لا تليق بمقام
[١] -. آل عمران ٤٠: ٣.
[٢] -. تفسير الطبريّ، ج ٣، ص ١٧٧.
[٣] -. الجامع لأحكام القرآن، ج ٤، ص ٨٠.
[٤] -. راجع: تفسير ابن كثير، ج ١، ص ٣٦٢.