التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٣ - خطورة أمر الترجمة
أو ما يقاربه، و هذا أثقل الشروط و أخطرها عند مزلّات الأقدام و مزالق الأقلام.
مثلًا: موضع التنوين من لغة العرب قد يغفله من لا إلمام له بمواضع اللغة، فيصرفها فيما لا مساغ له. و هكذا نجد بعض أصحاب النظرة الشموليّة، ممّن يرون الأديان و المذاهب متقاربة و متوافقة أُصوليّا، و من أن يكون الحقّ وقفا على مذهب خاصّ، بل لكلّ مذهب حظّ من الحقيقة قلّ أو كثر، و عليه حمل قوله تعالى: «وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»[١]، فترجمه إلى: أنّ نبيّ الإسلام إنّما يهدي أو يدعو[٢] إلى إحدى طرق السلام و ليس حاصرا له؛ نظرا لموضع التنوين من التنكير[٣] ذاهلًا أنّ موضع التنوين هنا موضع تفخيم، أي لتهدي إلى صراط هو من الفخامة بمكان![٤]
و دليلًا على ذلك أنّ نفس التعبير جاء في حقّه تعالى أيضا «إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»[٥]، و من ثَمّ كان حصرا فيه، و جاء الردع عن اتّباع سائر السبل «وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ»[٦].
و هكذا موضع المصدر الذي جاء تأكيدا للكلام (المفعول المطلق التأكيديّ) قد يُغفل عن مفاده موضعيّا فيترجم إلى ما لا مفهوم له.
مثاله قوله تعالى: «وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً»[٧] حيث المصدر إنّما جاء تأكيدا لبيان أنّ التكليم وقع عنحقيقته، أي قرع الصوت بصورة كلام عاديّ، وقع على مسامع موسى عليه السلام.
وليس مجازا عن إلهام نفسيّ و نحوه من إلقاء المعاني بصورة غير عاديّة، أي تكلّم الربّ سبحانه مع موسى تكلّما على حقيقته، لتكون ميزة اختصّها اللّه بشأن كليمه محضا.
و هكذا تعبير (بصورة مصدر تأكيديّ) لا معادل له في اللغة الفارسيّة، و من ثَمّ يجب
[١] -. الشورى ٥٢: ٤٢.
[٢] -.« وَ إِنَّكَ لَتَدعُوهُم إِلى صِراطٍ مُستَقيمٍ» المؤمنون ٧٣: ٢٣.
[٣] -. فجاءت الترجمة هكذا:« تو به يكى از راههاى راست هدايت مىكنى». راجع مقالنا في« جامعه مَدَني»، ص ١٣٢.
[٤] -. لتصبح الترجمة هكذا:« تو به راهى بس مستقيم هدايت مىكنى».
[٥] -. هود ٥٦: ١١.
[٦] -. الأنعام ١٠٣: ٦.
[٧] -. النساء ١٦٤: ٤.