التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٠ - ميزات تفسير التابعي
كقلوب القردة، لا تقبل وعظا و لا تتّقي زجرا[١].
و قد تكلّمنا عن تفسيره هذا لهذه الآية، في ترجمته السالفة، و ذكر أوجه ترجيحه و كلام السلف و علماء المفسّرين بشأنه.
و قال- في تفسير قوله تعالى: «رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا آيَةً مِنْكَ»[٢]- قال: مَثَلٌ ضرب لم ينزل عليهم شيء قال أبو جعفر الطبريّ: قال قوم:
لم ينزل على بني إسرائيل مائدة، فقال بعضهم: إنّما هذا مثل ضربه اللّه تعالى لخلقه نهاهم به عن مسألة نبيّ اللّه الآيات. ثمّ أُسند ذلك إلى مجاهد[٣].
و عند تفسير قوله تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ»[٤]، قال: تنتظر الثواب من ربّها. قيل له: إنّ أُناسا يقولون: إنّه تعالى يُرى، فيرون ربّهم، فقال: لا يراه من خلقه شيء[٥].
قال الاستاذ الذهبيّ: إنّ مثل هذا التفسير عن مجاهد، أصبح متّكئا قويّا للمعتزلة فيما بعد، فيما ذهبوا إليه من مذاهب عقليّة.
قلت: ليس مجاهد وحده ممّن فتح باب الاجتهاد و النظر في مفاهيم القرآن، بل كان يرافقه- ذلك العهد- كثير من أرباب العقول الراجحة، ممّن سمّاهم اللّه تعالى «أُولي الألباب»، و هم وفرة في أصحاب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و التابعين لهم بإحسان. و في هذا التأليف تنويه بِجُلّة من أعلامهم.
كما أنّ المعتزلة ليسوا هم وحدهم- ممّن تبعوا طريقة العقل الرشيد، و نبذوا الجمود في الرأي وراء الظهور. ففيما عدا السلفيّين الحُفاة الجُفاة و أذنابهم الأشاعرة العراة، خَلْق كثيرٌ و زرافاتٌ من الامّة المرحومة، واكبوا أهل الاعتزال أو سبقوهم في هذا المضمار،
[١] -. راجع: مجمع البيان، ج ١، ص ١٢٩؛ تفسير الطبريّ، ج ١، ص ٢٦٣؛ تفسير مجاهد، ص ٧٥- ٧٦.
[٢] -. المائدة ١١٤: ٥.
[٣] -. تفسير الطبريّ، ج ٧، ص ٨٧.
[٤] -. القيامة ٢٢: ٧٥- ٢٣.
[٥] -. تفسير الطبريّ، ج ٢٩، ص ١٢٠. و قد أسبقنا الحديث عن ذلك أيضا في ترجمته.