التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٥ - هم درجات عند الله
فما عليك أن لا تدري ما الأبّ، اتّبعوا ما بُيّن لكم هُداه من الكتاب فاعملوا به، و ما لم تعرفوه فكلوه إلى ربّه! و لعلّه سئل عن تفسير الآية فحار في الجواب.
و قد ورد أنّ أبا بكر- أيضا- سئل قبل ذلك عن تفسير الآية، فقال: أيّ سماء تُظلّني، و أيّ أرض تُقلّني، إذا قلت في كتاب اللّه ما لم أعلم[١].
قال الذهبيّ: و لو أنّنا رجعنا إلى عهد الصحابة لوجدنا أنّهم لم يكونوا في درجة واحدة بالنسبة لفهم معاني القرآن، بل تتفاوت مراتبهم، و أشكل على بعضهم ما ظهر لبعض آخر منهم. و هذا يرجع إلى تفاوتهم في القوّة العقليّة، و تفاوتهم في معرفة ما أحاط بالقرآن من ظروف و ملابسات. و أكثر من هذا أنّهم كانوا لا يتساوون في معرفة المعاني التي وضعت لها المفردات، فمن مفردات القرآن ما خفي معناه على بعض الصحابة، و لا ضير في هذا، فإنّ اللغة لا يحيط بها إلّا معصوم، و لم يدّع أحد أنّ كلّ فرد من أُمّةٍ يعرف جميع ألفاظ لغتها.
قال: و ممّا يشهد لهذا الذي ذهبنا إليه، ما أخرجه أبو عبيدة في الفضائل عن أنس: أنّ عمر بن الخطّاب قرأ على المنبر «وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا» فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبّ؟
ثمّ رجع إلى نفسه فقال: إنّ هذا لهو التكلّف يا عمر!
و ما روي من أنّ عمر كان على المنبر فقرأ: «أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ»[٢] ثمّ سأل عن معنى التخوّف، فقال له رجل من هذيل: التخوّف عندنا التنقّص، ثمّ أنشد:
|
تَخوَّفَ الرحلُ منها تامِكا قَرِدا |
كما تخوَّفَ عُودَ النَّبعةِ السَّفِنُ[٣] |
|
قال الطبرسيّ: التخوّف: التنقّص، و هو أن يأخذ الأوّل فالأوّل حتّى لا يبقى منهم أحد، و تلك حالة يخاف معها الهلاك و الفناء و هو الغناء تدريجا، ثمّ أنشد البيت بتبديل الرحل
[١] -. راجع: الدرّ المنثور، ج ٦، ص ٣١٧؛ المستدرك للحاكم، ج ٢، ص ٥١٤.
و الأبّ: العُشب المتهيّئ للرّعي و الجَزّ، من قولهم: أبَّ لكذا، إذا تهيّأ له، كما أنّ الفاكهة هي الثمرة الناضجة للأكل و القطف. جاء في المعجم الوسيط: الأبّ: العُشبُ رطبه و يابسه، يقال: فلان راع له الحبّ، و طاع له الأبّ، إذا زكا زرعه و اتّسع مرعاه.
[٢] -. النحل ٤٧: ١٦.
[٣] -. التفسير و المفسّرون، ج ١، ص ٣٤ الموافقات، ج ٢، ص ٨٧- ٨٨.