التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٤ - السابع الطلاق الثلاث
والإرسال مرّةٌ واحدةٌ. و لم يُرد بالمرّتين التثنية. و مثله قوله تعالى: «ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ»[١] أي كرّةً بعد كرّة، لا كرّتين اثنتين. و معنى قوله: «فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ»[٢] تخيير لهم- بعد أن علّمهم كيف يطلّقون- بين أن يُمسكوا النساء بحسن العشرة- و هو الرجوع إليها- و بين أن يُسرّحوهنّ السراح الجميل الذي علّمهم. و الحكمة في التفريق ما يشير إليه قوله تعالى: «لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً»[٣] أي قد يقلب اللّه تعالى قلب الزوج بعد الطلاق، من بُغضها إلى محبّتها[٤].
و هكذا روى أصحاب السنن: أنّ ركانة طلّق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها و ندم، فأتى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و ذكر ندمه و حزنه الشديد على ذلك، فسأله رسول اللّه: كيف طلّقتها ثلاثا؟ قال: في مجلس واحد! فقال رسول اللّه: إنّما تلك واحدة فارجعها إن شئت، فراجعها.
و في حديث ابن عبّاس: أنّ عبد يزيد طلّق زوجته و تزوّج بأُخرى، فأتت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فشكت إليه. فقال النبيّ لعبد يزيد: راجعها، فقال: إنّي طلّقتها ثلاثا يا رسول اللّه. قال: قد علمتُ، راجعها، و تلا: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ»[٥].
قال أبو داود: أنّ ركانة طلّق إمرأته ألبتّة (أي الثلاث البائن) فجعلها النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم واحدة.
و معنى ذلك: أنّ الثلاث بلفظ واحد- من غير مراجعة بينهنّ- تكون الواحدة منهن للعدّة، دون مجموع الثلاث.
فتلاوة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم للآية تلميح إلى عدم وقوع الثلاث جميعا للعدّة سوى واحدة، و من ثَمّ كانت رجعيّة و ليست بائنة.
*** و من غريب الأمر أنّ جمهور الفقهاء، مع علمهم بأنّ الثلاث بلفظ واحد مخالف
[١] -. الملك ٤: ٦٧.
[٢] -. البقرة ٢٢٩: ٢.
[٣] -. الطلاق ١: ٦٥.
[٤] -. سنن النسائيّ، ج ٦، ص ١١٦.
[٥] -. السنن الكبرى، ج ٧، ص ٣٣٩.