التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٣ - توسعه في التفسير
الرجل ممقوتا عند رجال السلطة الحاكمة، لا سيّما و كان يجابههم بما يخشون صراحته و صرامته، و من ثَمّ كان طاغية العرب معاوية الهاوية، يلعنه ضمن النفر الخمسة الذين كان يلعنهم في قنوته[١]، و كان ذلك من شدّة قنوطه من رحمة اللّه التي وسعت كلّ شيء، أنّه من قوم غضب اللّه عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفّار من أصحاب القبور[٢].
و للمولى محمّد تقيّ التستريّ رحمه الله تحقيق لطيف بشأن براءة الرجل من إلصاق هكذا تهم مفضوحة، و أنّه لم يزل في خدمة المولى أمير المؤمنين عليه السلام لم يبرح البصرة حتّى قُتل الإمام عليه السلام. و كان من المحرِّضين لبيعة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام. و بعد أن تمّ الصلح اضطرّ إلى المغادرة إلى بيت اللّه الحرام حتّى توفّاه اللّه، عليه رضوان اللّه[٣].
و لسيّدنا الاستاذ العلّامة الفاني- رحمة اللّه عليه- رسالة وجيزة في براءة الرجل، استوفى فيها الكلام بشأنه، جزاه اللّه خيرا عن الحقّ و أهله[٤].
توسّعه في التفسير
و لم تمض العشرة الأُولى من وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم إلّا و نرى ابن عبّاس قد تفرّغ للتفسير و استنباط معاني القرآن[٥]. بينما سائر الصحابة كانت قد أشغلتهم شؤون شتّى، ممّا يرجع إلى جمع القرآن أو إقرائه، أو تعليم السنن و القضاء بين الناس، أو التصدّي لسياسة البلاد، و ما شاكل. و إذا بابن عبّاس نراه صارفا همّته في فهم القرآن و تعليمه و استنباط معانيه و بيانه، مستعيضا بذلك عمّا فاته أيّام حياة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لمكان صغره و عدم كفاءته ذلك الحين. فكان يستطرق أبواب العلماء من الصحابة الكبار، كادّا و جادّا في طلب العلم من أهله أينما وجده، و لا سيّما من الإمام أمير المؤمنين باب علم النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم، كما لم يفته عقد حلقات في مسجد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لمدارسة علوم القرآن و معارفه و نشرتعاليم الإسلام من
[١] -. و هم: عليّ و الحسن و الحسين و ابن عبّاس و الأشتر. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٥، ص ٩٨؛ راجع: بحار الأنوار، ج ٤٢، ص ١٧٦ ط بيروت.
[٢] -. من الآية رقم ١٣ من سورة الممتحنة.
[٣] -. قاموس الرجال، ج ٦، ص ٢- ٦٥ ط الأُولى.
[٤] -. طُبِعت في قم المقدّسة، سنة ١٣٩٨ ه. ق ..
[٥] -. كما قال الزركشيّ:« و هو تجرّد لهذا الشأن» البرهان في علوم القرآن، ج ٢، ص ١٥٧.