التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦١ - الثالث آية الخمس
أوّلًا: عدم منافاة بين وجوب التقصير في السفر، و بين قوله تعالى في الآية الكريمة:
«فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ»، نظير نفي الجُناح الوارد في السعي بين الصفا و المروة، فإنّه واجب بلا شكّ.[١]
و إنّما جاء هذا التعبير لدفع توهّم الحظر؛ حيث شعر المسلمون بأنّ التكليف هو التمام، كما في سائر العبادات، لا تختلف سفرا و حضرا، سوى الصوم و الصلاة؛ فدفعا لهذا الوهم نزلت الآية الكريمة.
ثانيا: إنّ الآية دلّت على مشروعيّة القصر في السفر، و قد فعله رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و فعله المسلمون، و كذلك الأئمّة بعده، و لم يُتمّ أحد منهم الصلاة في السفر. فمقتضى قواعد علم الاصول، عدم جواز الإتمام؛ لأنّ الصلاة عبادة، و هي توقيفيّة، و لم يُعلم مشروعيّة التمام في السفر، لا من الآية و لا من فعل الرسول و صحابته الأخيار، فمقتضى القاعدة عدم الجواز. لأنّ الشكّ دائر بين التعيين و التخيير، و الشكّ في التكليف في مقام الامتثال، يقتضي الأخذ بالاحتياط، الذي هو القصر في الصلاة؛ إذ يشكّ في مشروعيّة ما زاد على الركعتين، و لا تصحّ عبادة مع الشكّ في مشروعيّتها.
ثالثا: إنّ الإمام عليه السلام لم يتعرّض للخوف الذي جاء بظاهره شرطا في الآية، فكأنّه عليه السلام فهم أنّه موضوع آخر مستقلّ عن موضوع السفر، و ليس قيدا فيه. فالخوف بذاته سبب مجوّز للتقصير، كما أنّ السفر أيضا سبب، و لا ربط لأحدهما بالآخر.
فالآية و إن كانت ظاهرة في القيد، و أنّ أحدهما قيد للآخر، لكنّ فعل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و أصحابه و سائر الأئمّة، دلّنا على هذا التفصيل، و أنّ كلًاّ منهما موضوع مستقلّ لجواز القصر. و هكذا فهم الإمام عليه السلام، و فَهْمُه حجّة علينا بالإضافة إلى عمل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم.
الثالث: آية الخمس
قال اللّه تبارك و تعالى: «وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي
[١] -. راجع ما فصّلناه في الجزء الأول، ص ٢٥٦.