التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٢ - ميزات تفسير التابعي
ابن عمر: ما نعلم به بأسا إلّا أنّه يفسّر القرآن برأيه. و المعروف عن أهل المدينة أنّهم أصحاب وقف و احتياط[١].
*** هذا، و قد راج التفسير العقليّ فيما بعد، و لا سيّما عند المعتزلة و مَن حذا حذوهم في تقديم العقل على ظاهر النقل.
*** هذا أبو مسلم محمّد بن بحر الأصفهانيّ (٢٥٤- ٣٢٢ ه.) قد وضع تفسيره على أساس من التفكير الصحيح، وَفق ما يرتضيه الدين الإسلاميّ الحنيف، من نبذ التقليد و التمسّك بعُرى التحقيق «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها»[٢]، «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ...»[٣].
هو عند ما يفسّر قوله تعالى: «قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أن لا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَ اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَ سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ»[٤] بأنّ زكريّا لمّا طلب من اللّه تعالى آيةً تدلّه على حصول العلوق (انعقاد النطفة في رحم زوجه) قال: آيتك أن لا تكلّم، أي تصير مأمورا بأن لا تتكلّم ثلاثة أيّام بلياليها مع الخَلق (أي إذا جاءك الأمر بذلك، فاعلم أنّ الحمل بيحيى قد تحقّق عند ذلك) أي تكون مشتغلًا بالذكر و التسبيح و التهليل، معرضا عن الخلق و الدنيا، شاكرا للّه تعالى على إعطاء مثل هذه الموهبة. فإن كانت لك حاجة، دُلَّ عليها بالرمز. فإذا أُمرت بهذه الطاعة فاعلم أنّه قد حصل المطلوب.
يقول الإمام الرازيّ بشأنه- و هو أشعريّ يخالفه في المذهب-: «و هذا القول عندي حسن معقول. وأبو مسلم حسن الكلام في التفسير، كثيرالغوص علىالدقائق واللطائف»[٥].
هذه شهادة راقية من أكبر عَلَم من أعلام التحقيق في الفلسفة و الكلام، بشأن ألمع
[١] -. طبقات المفسّرين، ج ١، ص ١٧٦؛ ميزان الاعتدال، ج ٢، ص ٩٨؛ راجع: ترجمته هنا.
[٢] -. محمّد ٢٤: ٤٧.
[٣] -. النحل ٤٤: ١٦.
[٤] -. آل عمران ٤١: ٣.
[٥] -. التفسير الكبير، ج ٨، ص ٤٠- ٤١.