التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١٣ - العاشر مسألة البداء
١. قال تعالى: «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ»[١].
الآجال مقدّرة في الأزل حسب استعدادات الأشياء و الأشخاص كلٌّ بحسب ذاته و طبعه، لولا عروض الطوارئ المغيّرة للآجال، و التي لا يعلمها سوى اللّه، و من ثَمّ يمحو ما يشاء و يثبت و عنده امّ الكتاب، أي العلم النهائيّ المكنون في اللوح المحفوظ.
فعلمه تعالى التدبيريّ لأحوال الخلق علمان: علم مخزون لا يعلمه سوى اللّه، و هو المسمّى باللوح المحفوظ. و علم عَلَّمه ملائكتَه و أنبياءه و سائر أوليائه، و هو الذي يصير فيه البداء، المعبّر عنه بلوح المحو و الإثبات.
قال الإمام الصادق عليه السلام: «إنّ للّه علمين، علم مكنون مخزون لا يعلمه إلّا هو، من ذلك يكون البداء. و علم علّمه ملائكته و رسله و أنبياءه و نحن نعلمه»[٢].
قوله: «من ذلك يكون البداء» أي منشأ البداء هو ذلك العلم الأزليّ المخزون الذي لا يتغيّر. فهناك علم يكون منه البداء، و هو اللوح المحفوظ، و علم يكون فيه البداء، و هو لوح المحو و الإثبات.
قال عليه السلام: «من زعم أنّ اللّه عزّ و جلّ يبدو له في شيء لم يعلمه أمس، فابرؤوا منه»[٣].
و هذا هو معنى البداء الباطل، المستحيل على اللّه سبحانه و تعالى.
٢. و قال تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ»[٤].
فهناك أجلان: أجل قُضي و قُدّر حسب طبائع الأشياء و استعداداتها، يعلمه من يعلم من أسرار طبيعة الوجود، حسبما علّمه اللّه، و فيه البداء. و أجل مسمّى عنده في علمه المخزون الذي لا يتغيّر، و يكون منه البداء حسب تعبير الإمام الصادق عليه السلام.
و قد احتار الإمام الرازيّ في تفسير هذه الآية و الآية الأُولى. قال في قوله تعالى:
«وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ»: اختلف المفسّرون على وجوه:
الأوّل: «قَضى أَجَلًا»: آجال الماضين، «وَ أَجَلٌ مُسَمًّى»: آجال الباقين.
[١] -. الرعد ٣٩: ١٣.
[٢] -. بحار الأنوار، ج ٤، ص ١٠٩- ١١٠، رقم ٢٧.
[٣] -. المصدر نفسه، ص ١١١، رقم ٣٠.
[٤] -. الأنعام ٢: ٦.