التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٩ - حريته في التفسير العقلي
كقلوب القردة لا تقبل وعظا و لا تتّقي زجرا. قال الطبرسيّ: و هذا يخالف الظاهر الذي عليه أكثر المفسّرين من غير ضرورة تدعو إليه[١].
و للزمخشريّ هنا كلام يُشبه تفسير مجاهد، في دقّة أدبيّة لطيفة. قال: قوله تعالى:
«كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» خَبَران، أي كونوا جامعين بين القرديّة و الخُسوء، و هو الصَغار و الطرد[٢].
و من ثَمّ قال المولى جمال الدين أبو الفتوح الرازيّ- من أعلام القرن السادس-:
مجاهد گفت: معنى آن است «أذلّاء صاغرين» ذليل و مهين. و در اين عظتى و عبرتى است آنانرا ..[٣].
قال الإمام الرازيّ (٥٤٤- ٦٠٦ ه.): إنّ ما ذكره مجاهد- رحمه اللّه- غير مستبعد جدّا، لأنّ الإنسان إذا أصرّ على جهالته بعد ظهور الآيات و جلاء البيّنات، فقد يقال- في العرف الظاهر-: إنّه حمار و قرد. و إذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة، لم يكن في المصير إليه محذور البتّة[٤].
قلت: و يشهد لهذا التأويل قوله تعالى- في سورة المائده-: «مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنازِيرَ وَ عَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ»[٥]. بدليل عطف «وَ عَبَدَ الطَّاغُوتَ»، و كذا عطف «الْخَنازِيرَ». و هذان لم يأت ذكرهما في سائر القرآن؛ فيكون المعنى: أنّ من شديد العقوبة أن يتحوّل الإنسان من شموخ كرامته و اعتلاء شرفه، إلى سافل مبتذل يحمل سمات القردة و الخنازير، مُهانا لئيما، يرضخ للطواغيت رضوخ الذليل الحقير.
[١] -. مجمع البيان، ج ١، ص ١٢٩؛ راجع: تفسير الطبريّ، ج ١، ص ٢٦٣؛ تفسير مجاهد، ص ٧٥- ٧٦.
[٢] -. الكشّاف، ج ١، ص ١٤٧.
[٣] -. روض الجنان، ج ١، ص ٢١٧.
[٤] -. التفسير الكبير، ج ٣، ص ١١١.
[٥] -. المائدة ٦٠: ٥.