التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٥ - الرابع آية القطع
فأُعجب المعتصم ذلك، و أمر بقطع يد السارق من مَفصِل الأصابع دون الكفّ[١].
انظر إلى هذه الالتفاتة الرقيقة التي تَنبَّه لها الإمام و لم يلتفت إليها سائر الفقهاء، ذلك أنّ اليد في آية القطع وقعت مجملة قد أُبهم المراد منها، فلا بدّ من تبيينها إمّا من السنّة أو الكتاب ذاته. و قد التفت الإمام عليه السلام لوجه التبيين إلى السنّة مُدعمةً بنصّ الكتاب، فبيّن أنّ راحة الكفّ هي إحدى المواضع السبعة التي يجب على المصلّي أن يسجد عليها، و ذلك بنصّ الحديث الوارد عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، و هذا كبيان الصغرى. ثمّ أردفه ببيان الكبرى المستفادة من الآية الكريمة الشاملة بعمومها لكلّ مسجد، سواء الموضع الذي يسجد فيه، أو العضو الذي يسجد عليه، كلّ ذلك للّه. و ما كان للّه لا تشمله عقوبة الحدّ، لأنّ العقوبة إنّما ترجع إلى ما للعبد المذنب، و لا تعود على ما كان للّه تعالى. و هو استنباط ظريف جدّا.
*** و ممّا يُستغرب في المقام ما ذكره الجزيريّ تعليلًا لوجوب القطع من مَفصِل الكفّ، أي الزند، قال: لأنّ السرقة تقع بالكفّ مباشرة، و الساعد و العضد يحملان الكفّ، و العقاب إنّما يقع على العضو المباشر للجريمة، و لذلك تُقطع اليمنى أوّلًا؛ لأنّ التناول يكون بها في غالب الأحيان[٢].
قلت: هذا التعليل يقتضي وجوب القطع من مَفصِل الأصابع، كما عليه فقهاء الإماميّة و به رواياتهم؛ لأنّ الأصابع هي التي تناوش المتاع المسروق، و الكفّ تحمل الأصابع.
و قد ذكر ابن حزم الأندلسيّ أنّ عليّا عليه السلام كان يقطع الأصابع من اليد و نصف القدم من الرجل. و كان عمر يقطع كلّ ذلك من المَفصِل. و أمّا الخوارج فرأوا القطع من المِرفَق أو المنكب[٣].
[١] -. تفسير العيّاشيّ، ج ١، ص ٣١٩- ٣٢٠؛ راجع: وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ٤٨٩- ٤٩١، باب ٤، حدّ القطع. و آية قطع يد السارق، من سورة المائدة ٣٨: ٥.
[٢] -. الفقه على المذاهب الأربعة، ج ٥، ص ١٥٩.
[٣] -. المحلّى، ج ١١، ص ٣٥٧، رقم ٢٢٨٤.