التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦ - ضابطة التأويل
ضابطة التأويل
و ممّا يجدر التنبّه له أنّ للأخذ بدلائل الكلام- سواء أ كانت جليّة أم خفيّه- شرائط و معايير، لا بدّ من مراعاتها للحصول على الفهم الدقيق. فكما أنّ لتفسير الكلام- و هو الكشف عن المعاني الظاهريّة للقرآن- قواعد و اصولًا مقرّرة في علمي الاصول و المنطق، كذلك كانت لتأويل الكلام- و هو الحصول على المعاني الباطنيّة للقرآن- شرائط و معايير، لا ينبغي إعفاؤها و إلّا كان تأويلًا بغير مقياس، بل كان من التفسير بالرأي الممقوت.
و ليعلم أنّ التأويل- و هو من الدلالات الباطنة (الخفيّة) للكلام- داخل في قسم الدلالات الالتزاميّة غير البيّنة، فهو من دلالة الألفاظ لكنّها غير البيّنة، و دلالة الألفاظ جميعا مبتنية على مقاييس يشرحها علم الميزان؛ فكان التأويل- و هو دلالة خفيّه- بحاجة إلى معيار معروف كي يخرجه عن كونه تفسيرا بالرأي.
فمن شرائط التأويل الصحيح- أي التأويل المقبول في مقابلة التأويل المرفوض-
أوّلًا: رعاية المناسبة القريبة بين ظهر الكلام و بطنه[١]، أي بين الدلالة الظاهرة و هذه الدلالة الباطنة للكلام، فلا تكون أجنبيّة، لا مناسبة بينها و بين اللفظ أبدا. فإذا كان التأويل- كما عرفناه- هو المفهوم العامّ المنتزع من فحوى الكلام، كان لا بدّ أنّ هناك مناسبة لفظيّة أو معنويّة استدعت هذا الانتزاع.
مثلًا: لفظة «الميزان» وضعت لآلة الوزن المعروفة ذات الكفّتين، وقد جاء الأمر بإقامتها و عدم البخس فيها، في قوله تعالى: «وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ»[٢].
لكنّا إذا جرّدنا اللفظ من قرائن الوضع و غيره و أخلصناه من ملابسات الأُنس الذهنيّ،
[١] -. بحيث يكون المفهوم العامّ المنتزع من بطن الآية صالحا للانطباق على ظهرها انطباق الكلّيّ على مصاديقه، حسبما بيّنّا في موارده من أمثلة، و منها: آية السؤال من أهل الذكر، حيث كان وجوب الرجوع إلى العالم، هي الكبرى الكلّيّة المستخرجة من بطن الآية، و قد انطبقت على مورد نزولها بالمناسبة ..
[٢] -. الرحمان ٩: ٥٥.