التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤ - هل التفسير توقيف؟
فوجه تناسب استشهاده عليه السلام بهذه الآية بشأن الصفات محضا، هو العجز البادئ لدى المتشابهات، يُقرّ به الراسخون في أوّل مجابهتهم للمتشابهات، و إن كان الأمر يفترق في نهاية المطاف.
قال ابن أبي الحديد: إنّ من الناس من وقف على قوله: «إِلَّا اللَّهُ»، و منهم من لم يقف.
و هذا القول أقوى من الأوّل؛ لأنّه إذا كان لا يعلم تأويل المتشابه إلّا اللّه لم يكن في إنزاله و مخاطبة المكلّفين به فائدة، بل يكون كخطاب العربيّ بالزنجيّة، و معلوم أنّ ذلك عيب قبيح.
و أمّا موضع «يَقُولُونَ» من الإعراب، فيمكن أن يكون نصبا على أنّه حال من الراسخين، و يمكن أن يكون كلاما مستأنفا، أي هؤلاء العالمون بالتأويل، يقولون: آمنّا به.
و قد روي عن ابن عباس أنّه تأوّل آية، فقال قائل من الصحابة: «وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ»، فقال ابن عبّاس: «وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» و أنا من جملة الراسخين[١].
و نحن قد تكلّمنا عن هذه الآية بتفصيل و توضيح، عند الكلام عن متشابهات القرآن، فراجع[٢].
هل التفسير توقيف؟
ربّما كان بعض السلف يحتشم عن القول في القرآن، خشية أن يكون قولًا على اللّه بغير علم، أو تفسيرا برأيه الممنوع شرعا. و تبعهم على ذلك بعض الخلف، فأمسكوا عن تفسير القرآن، سوى ما ورد فيه أثر صحيح و نقل صريح.
فقد أخرج الطبريّ بإسناده إلى أبي معمر، قال: قال أبو بكر: «أيّ أرض تقلّني و أيّ سماء تظلّني إذا قلت في القرآن ما لا أعلم»، و في رواية اخرى أيضا عنه: «إذا قلت في القرآن برأيي»[٣].
[١] -. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٦، ص ٤٠٤- ٤٠٥.
[٢] -. التمهيد، ج ٣، ص ٢٥- ٤٢.
[٣] -. تفسير الطبريّ، ج ١، ص ٢٧.