التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٥ - أ) مسح الرأس
الباء و بين إسقاطها، في العرف و اللغة. ثمّ أيّد ذلك بما رواه عن إبراهيم[١]، قال: إذا مسح ببعض الرأس أجزأه، قال: و لو كانت «امسحوا رؤسكم» كان مسح الرأس كلّه. قال:
فأخبر إبراهيم أنّ «الباء» للتبعيض، و قد كان عند أهل اللغة مقبول القول فيها»[٢].
قال الرازيّ: حجّة الشافعيّ أنّه لو قال: مسحت المنديل، فهذا لا يصدق إلّا عند مسحه بالكلّيّة، أمّا لو قال: مسحت يدي بالمنديل، فهذا يكفي في صدقه مسح اليدين بجزء من أجزاء ذلك المنديل[٣]. و هذا الذي ذكره الشافعىّ، و إن كان يتوافق- في ظاهره- مع نظرة الإمام الصادق عليه السلام، و لعلّه ناظر إليه، لكنّه يتخالف معه في مواضع:
أحدها: زعمه أنّ «الباء» استعملت- هنا- بمعنى التبعيض نظير «من» التبعيضيّة، في حين أنّه لم تأت «الباء» في اللغة للتبعيض، و لا شاهد عليه ألبتّة. و إستناده إلى كلام إبراهيم النخعيّ غير وجيه؛ لأنّه لم يصرّح بذلك، بل إنّ كلامه ككلام الإمام الصادق يهدف إلى أنّ موضع «الباء» هنا أفاد إجزاء مسح بعض الرأس- بالبيان الذي تقدّم- و هذا يعني أنّ «الباء»- في موضعها الخاصّ هنا- تفيد التبعيض في مسح الرأس و هذا غير كونها مستعملة في معنى التبعيض، كما عرفت.
الثاني: أنّ التمثيل بالمنديل غير صحيح؛ لأنّ المنديل ممّا يُمسَح به و ليس ممسوحا؛ إذ لا يقال- في العرف و اللغه-: مسحت المنديل، فقولنا: مسحت يدي بالمنديل، يفيد كون اليد هي الممسوحة لا المنديل.
الثالث: أنّ الشافعيّ لم يشترط أن يكون المسح باليد، قال: فإذا رشّ الماء على جزء من رأسه أجزأه[٤]. و لا ندري كيف يكون الرشّ مسحا؟! و لعلّه أخذ بالملاك قياسا[٥]،
[١] -. هو إبراهيم بن يزيد النخعيّ الكوفيّ الفقيه، كان مفتي أهل الكوفة، قال ابن حجر: كان رجلًا صالحا فقيها متوقّيا قليل التكلّف، مات سنة ٩٦ ه. و هو مختف من الحجّاج( تهذيب التهذيب، ج ١، ص ١٧٧).
[٢] -. أحكام القرآن، ج ٢، ص ٣٤١.
[٣] -. التفسير الكبير، ج ١١، ص ١٦٠.
[٤] -. راجع: الفقه على المذاهب الأربعة للجزيريّ، ج ١، ص ٦٠- ٦١.
[٥] -. زعما بأنّ المطلوب هو بلّ بعض الرأس بالماء بأيّ سبب كان، حتّى و إن لم يصدق عليه المسح! و هو من القياس المستنبط، و هو غير حجّة عندنا بعد أن كان خروجا عن لفظ النصّ الوارد في الشريعة.