التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٢ - مدارس التفسير
تعلّمنا القرآن عن أبي موسى الأشعريّ في هذا المسجد- يعني مسجد البصره- و كنّا حلقا حلقا، و كأنّما أنظر إليه بين ثوبين أبيضين[١].
و كانت مدرسته ذات انحراف شديد، و من ثَمّ كانت البصرة من بعده أرضا خصبة لنشوء كثير من البِدَع و الانحرافات الفكريّة و العقائديّة، و لا سيّما في مسائل الاصول و الإمامة و العدل.
قال عبد الكريم الشهرستانيّ: و سمعت من عجيب الاتّفاقات أنّ أبا موسى الأشعريّ (المتوفّى سنة ٤٤ ه.) كان يقرّر عين ما يقرّر حفيده أبو الحسن الأشعريّ (المتوفَّى سنة ٣٢٤ ه.) في مذهبه، و ذلك قد جرت مناظرة بين عمرو بن العاص و بينه، فقال عمرو: أين أجد أحدا أُحاكم إليه ربّي؟ فقال أبو موسى: أنا ذلك المتحاكم إليه. فقال عمرو: أو يقدِّر عليَّ شيئا ثمّ يعذّبني عليه؟ قال أبو موسى: نعم، قال عمرو: وَ لِمَ؟ قال: لأنّه لا يظلمك! فسكت عمرو و لم يُحِر جوابا[٢].
و ذكر ابن أبي الحديد أبا بردة ابن أبي موسى الأشعريّ فيمن أبغض عليّا، و كان من القالين له، ثمّ قال: ورث البِغضة له، لا عن كلالة[٣]، أي كان هذا الحقد للإمام أمير المؤمنين- صلوات اللّه عليه- قد أتاه مباشرةً من قبل والده، فكانت البِغضة منه تليدا، و لم تأته من عرض عارض، لا تلد الحيّة إلّا الحيّة.
*** ٥. مدرسة الشام: قام بها أبو الدرداء عويمر بن عامر الخزرجيّ الأنصاريّ. كان من أفاضل الصحابة و فقهائهم و حكمائهم. أسلم يوم بدر، و شهد أُحُدا و أبلى فيها بلاءً حسنا.
روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم قال بشأنه حينذاك: نِعم الفارس عويمر، و قال: هو حكيم امّتي.
تولّى قضاء دمشق أيّام خلافة عمر، و تُوفّي في خلافة عثمان سنة (٣٢ ه.). و لم ينزل
[١] -. المستدرك للحاكم، ج ٢، ص ٢٢٠.
[٢] -. الملل و النحل للشهرستانيّ، ج ١، ص ٩٤ ط القاهرة، ١٣٨٧ ه ..
[٣] -. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٤، ص ٩٩.