التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٧ - خلاصة القول في التفسير بالرأي
و هذا الذي ذكره سيّدنا العلّامة- هنا- تحقيق عريق بشأن طريقة فهم معاني كلامه تعالى.
قال- في مقدّمة التفسير-:
إنّ الاتّكاء و الاعتماد على الأُنس و العادة في فهم معاني الآيات، يشوّش على الفاهم سبيله إلى إدراك مقاصد القرآن؛ إذ كلامه تعالى ناشئ من ذاته المقدّسة، التي لا مثيل لها و لا نظير «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»[١]، «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ»[٢]، «سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ»[٣].
و هذا هو الذي دعا بالنابهين أن لا يقتصروا على الفهم المتعارَف لمعاني الآيات الكريمة، و أجازوا لأنفسهم الاعتماد- لإدراك حقائق القرآن- على البحث و النظر و الاجتهاد.
و ذلك على وجهين: إمّا بحثا علميّا أو فلسفيّا أو غيرهما، للوصول إلى مراده تعالى في آية من الآيات؛ و ذلك بعرض الآية على ما توصّل إليه العلم أو الفلسفة من نظريّات أو فرضيّات مقطوع بها، و ربّما المظنون منها ظنّا راجحا، و هذه طريقة يرفضها ملامح القرآن الكريم.
و إمّا بمراجعة ذات القرآن، و استيضاح فحوى آية من نظيرتها، و بالتدبّر في نفس القرآن الكريم؛ فإنّ القرآن ينطق بعضه ببعض، و يشهد بعضه على بعض، كما قال عليّ عليه السلام.
قال تعالى: «وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ»[٤]، و حاشا القرآن أن يكون تبيانا لكلّ شيء و لا يكون تبيانا لنفسه، و قد نزل القرآن ليكون هدًى للناس و نورا مبينا و بيّنة و فرقانا، فكيف لا يكون هاديا للناس إلى معالمه و مرشدا لهم على دلائله؟! و قد قال تعالى: «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا»[٥]، و أيّ جهاد أعظم من بذل الجهد في سبيل
[١] -. الشورى ١١: ٤٢.
[٢] -. الأنعام ١٠٣: ٦.
[٣] -. الصافّات ١٥٩: ٣٧.
[٤] -. النحل ٨٩: ١٦.
[٥] -. العنكبوت ٦٩: ٢٩.