التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٢ - استعمال الرأي و الاجتهاد
العامّة، فكيف يا تُرى أنّه كان يرجع إليهم رغم نهيه و تحذيره! و هل لا طَرَق سمعه، و هو الحافظ لكلام اللّه «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ»[١]، فحاشا ابن عبّاس أن يراجع أهل الكتاب، و حاشاه حاشاه!!
استعمال الرأي و الاجتهاد
و هل استعمل ابن عبّاس رأيه في تفسير القرآن؟
إذا كان المراد من الرأي، ما أنتجه الفكر و الاجتهاد بعد تمام مقدّماته المعروفة، فأمر طبيعيّ لا بدّ منه، و لا يستطيع أحد محايدته، إنّما هو شيء كان عليه الأصحاب و العلماء من التابعين لهم بإحسان.
كان ابن عبّاس كغيره من الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير، يرجعون في فهم معاني القرآن إلى القرآن ذاته أوّلًا، و إلى ما وعوه من أحاديث الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و أقواله في بيان معاني القرآن، ثمّ إلى ما يفتح اللّه به عليهم من طريق النظر و الاجتهاد، مع الاستعانة في ذلك بمعرفة أسباب النزول، و الظروف و الملابسات التي نزل فيها القرآن، بالإضافة إلى توسّعهم في المعارف، و لا سيّما مثل ابن عبّاس، كان متوسّعا في علومه فيما يتعلّق بمواقع النزول و أنحائه، و معرفته بالأحكام و التاريخ و الجغرافيّة، حسبما مرّ عليك.
فالرأي المستند إلى مثل هذه المقدّمات المعروفة المتناسبة بعضها مع البعض، رأي ممدوح و أمر طبيعيّ، ليس يُنكر ألبتّة.
*** هذا هو المنهج الذي سار عليه ابن عبّاس في التفسير، لم يحد عن مناهج سائر الصحابة النبهاء. و قد ساهمت ثقافته العميقة في كثير من جوانب المعرفة، على أن يتألّق في منهجه، كما ساعده على ذلك- إضافة على ما ذكرنا- تبحّره في معرفة مواقع النزول، و استيعابه للمحكم و المتشابه، و القراءة و الأحكام و التاريخ و الجغرافيّة، فضلًا عن اللغة
[١] -. الصفّ ٢: ٦١ و ٣.