التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٧ - ثانيا رعايته لأسباب النزول
مطلقاته و سائر الصوارف الكلاميّة المعروفة. و ليس لأيّ مفسّر أن يأخذ بظاهر آية ما لم يفحص عن صوارفها و سائر بيانات القرآن التي جاءت في غير آية، و لا سيّما و القرآن قد يكرّر من بيان حكم أو حادثة و يختلف بيانه حسب الموارد، و من ثَمّ يصلح كلّ واحد دليلًا و كاشفا لما أُبهم في مكان آخر.
و هكذا نرى مفسّرنا العظيم، عبد اللّه بن عبّاس، يجري على هذا المنوال، و هو أمتن المجاري لفهم معاني القرآن، و مقدَّم على سائر الدلائل اللفظيّة و المعنويّة. فلم يغفل النظر إلى القرآن الكريم نفسه، في توضيح كثير من الآيات التي خفي المراد منها في موضع، ثمّ وردت بشيء من التوضيح في موضع آخر. شأنه في ذلك شأن سائر المفسّرين الأوائل، الذين ساروا على هدى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم.
فمن هذا القبيل ما رواه السيوطيّ بأسانيده إلى ابن عبّاس، في قوله تعالى: «قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ...»[١] قال: كنتم أمواتا قبل أن يخلقكم؛ فهذه ميتة، ثمّ أحياكم؛ فهذه حياة، ثمّ يميتكم فترجعون إلى القبور؛ فهذه ميتة اخرى، ثمّ يبعثكم يوم القيامة؛ فهذه حياة. فهما ميتتان و حياتان، فهو كقوله تعالى: «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»[٢]، و هكذا أخرج عن ابن مسعود و أبي مالك و قتادة أيضا[٣].
*** ثانيا: رعايته لأسباب النزول
و لأسباب النزول دورها الخطير في فهم معاني القرآن؛ حيث الآيات و السور نزلت نجوما، و في فترات و شؤون يختلف بعضها عن بعض. فإذ كانت الآية تنزل لمناسبة خاصّة و لعلاج حادثة وقعت لوقتها، فإنّها حينذاك ترتبط معها ارتباطا وثيقا. و لولا
[١] -. غافر ١١: ٤٠.
[٢] -. البقرة ٢٨: ٢.
[٣] -. الدرّ المنثور، ج ٥، ص ٣٤٧؛ راجع: تفسير الطبريّ، ج ٢٤، ص ٣١.