التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٧ - منهج القرآن في الإفادة و البيان
و كذا لا يكون- في عالم المحسوس- شيء أكثر ظهورا و في نفس الوقت أشدّ خفاء من النور، ظاهر بآثاره، خفيّ بكنهه و حقيقته.
و هذه هي نفس صفاته تعالى إذا ما لاحظنا حقيقة وجوده، القائم بذاته، المظهر لغيره، الذي خفيت حقيقته و ظهرت آثاره، و هو اللّه جلّ جلاله، و عظمت كبرياؤه.
*** و هكذا نجد القرآن، في استدلالاته، قد جمع بين أُسلوبين يختلفان في شرائطهما، هما: اسلوب الخطابة، و اسلوب البرهان، ذاك إقناع للجمهور بما يتسالمون به من مقبولات القضايا و مظنوناتها، و هذا إخضاع للعلماء بما يتصادقون عليه من أوّليّات و يقينيّات. و من الممتنع في العادة أن يقوم المتكلّم بإجابة ملتمس كلا الفريقين، ليجمع بين المظنون و المتيقّن، في خطاب واحد، الأمر الذي حقّقه القرآن بعجيب بيانه و غريب اسلوبه.
و قد بحثنا عن ذلك و أتينا بأمثلة عليه في مباحثنا عن الإعجاز البيانيّ للقرآن[١].
*** و جهة خامسة: قد أكثر القرآن من أنواع الاستعارة و أجاد في فنونها، و كان لا بدّ منه و هو آخذ في توسّع المعاني توسّع الآفاق، في حين تضايقت الألفاظ عن الإيفاء بمقاصد القرآن، لو قُيّدت بمعانيها الموضوعة لها المحدودة النطاق.
جاء القرآن بمعان جديدة على العرب لم تكن تعهدها، و ما وضعت ألفاظها إلّا لمعان قريبة، حسب حاجاتها في الحياة البسيطة البدائيّة القصيرة المدى. أمّا التعرّض لشؤون الحياة العليا المترامية الأبعاد، فكان غريبا على العرب الأوائل المتوغّلة في الجاهليّة الأُولى.
و من ثَمّ لجأ القرآن في إفادة معانيه و الإشادة بمبانيه إلى أحضان الاستعارة و الكناية
[١] -. راجع: التمهيد، ج ٥، ص ٤١٣ فصل الاستدلال في القرآن.