التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩١ - حريته في التفسير العقلي
|
وإذا نظرتُ إليك من مَلك |
والبحرُ دونَك زِدتَني نِعَما |
|
و سمعتُ سرويّةً مستجديةً بمكّة وقت الظهر، حين يغلق الناس أبوابهم و يأوون إلى مقائلهم، تقول: عُيَيْنتي نُويظرة إلى اللّه و إليكم. و المعنى: أنّهم لا يتوقّعون النعمة و الكرامة إلّا من ربّهم، كما كانوا في الدنيا لا يخشون و لا يرجعون إلّا إيّاه[١].
و علّق عليه ابن المنير- في الهامش- بأنّ عدم كونه تعالى منظورا إليه، مبنيّ على مذهب المعتزلة، و هو عدم جواز رؤيته تعالى. و مذهب أهل السنّة جوازها!!
و قال الفخر: اعلم أنّ جمهور أهل السنّة يتمسّكون بهذه الآية في إثبات أنّ المؤمنين يرون اللّه تعالى يوم القيامة. أمّا المعتزلة فأنكروا دلالة الآية على ذلك أوّلًا، و إمكان تأويلها على الفرض ثانيا؛ حيث الرؤية تمتنع عليه تعالى عقلًا و نقلًا قطعيّا، الأمر الذي لا يختلف في هذه الحياة أم في الآخرة[٢].
أمّا المفسّرون من علمائنا الإماميّة فإنّهم مطبقون على امتناع الرؤية مطلقا، و ليس في الآية دلالة صريحة على ذلك، مع شيوع استعمال النظر في التوقّع و الانتظار.
قال الشيخ أبو جعفر الطوسيّ رضى الله عنه: معناه، منتظرة نعمة ربّها و ثوابه أن يصل إليهم.
و يكون النظر بمعنى الانتظار، كما قال تعالى: «وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ»[٣]، أي منتظرة. و قال الشاعر:
|
وجوه يوم بدر ناظرات |
إلى الرحمان يأتي بالفلاح |
|
و قوله تعالى: «وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ»[٤]، معناه، لا يُنيلهم رحمته. قال رحمه الله: و ليس النظر بمعنى الرؤية أصلًا، بدلالة أنّهم يقولون: نظرت إلى الهلال فلم أره. فلو كان بمعنى الرؤية لتناقض؛ و لأنّهم يجعلون الرؤية غاية للنظر، يقولون: ما زلت أنظر إليه حتّى رأيته، و لا يجعل الشيء غاية لنفسه، فلا يقال: مازلت أراه حتّى رأيته. قال: و النظر- في الأصل- تقليب حدقة العين نحو المرئيّ طلبا للرؤية، فاستُعمل في مطلق التأميل و التوقّع
[١] -. الكشّاف، ج ٤، ص ٦٦٢.
[٢] -. التفسير الكبير، ج ٣٠، ص ٢٢٦.
[٣] -. النمل ٣٥: ٢٧.
[٤] -. آل عمران ٧٧: ٣.