التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٥ - قيمة تفسير التابعي
التابعون على رأي فإنّه يجب علينا أن نأخذ به و لا نتعدّاه إلى غيره[١].
*** قلت: إن كان أُريد التعبّد بأقوال التابعين و التسليم لآرائهم، فهذا لا وجه له، و لا مبرّر لذلك، فإنّهم- كما قال أبو حنيفه- رجال و نحن رجال.
لكن مقصود البحث غير ذلك، و إنّما هو الاعتبار العقلانيّ، بالنظر إلى أسبقيّتهم و أقربيّتهم إلى منابع الوحي و مهبط التنزيل، و أمسّ بجوانب الشريعة، و أقرب تناولًا إلى أعتاب أعلام الصحابة و الأئمّة الهداة، كما نبّهنا، فضلًا عن أنّهم أعرف بمواضع اللغة و أساليب العرب الفصحى ممّن نزل القرآن بلغتهم و على أساليب كلامهم المعروف.
فكانت آراؤهم و نظراتهم المستنبطة من اصول متينة، المستقاة من مناهل صافية و ضافية، من خير الوسائل السليمة لفهم معاني القرآن الكريم. فهي بالاستعانة بها و الاستفادة منها أقرب منها إلى التعبّد و التقليد.
و قد عرفت أن جُلّ التابعين من متخرّجي مدارس الصحابة الأوّلين كعبد اللّه بن مسعود، و ابن عبّاس، الذي كان هذا بدوره متخرّجا من مدرسة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.
فجملة علومهم و اصول معارفهم مستندة إلى منابع أصيلة منتهية إلى مصدر الوحي الأمين، الأمر الذي يجعل الفرق واضحا بين من كان شأنهم هذا، و بين من كان مستقى علمه بعيد المنال، ينتهي إليه بوسائط كثيرة، و في جهد بليغ. كما هي حالتنا الحاضرة بالنسبة إلى حالة التابعين، و هم على مشارف المنابع الأُولى يستقون منها بالمباشرة، و عن متناول قريب.
و على أيّ حال، فإنّ اجتهاد من كانت المنابع في متناوله القريب، أصوب وأسدّ و أبين طريقا، ممّن كان على مراحل من منابع الاجتهاد. و لا أقل من كون اجتهاد السابقين دلائل تُنير الدرب لاجتهاد اللاحقين، الأمر الذي لا ينبغي إنكاره.
[١] -. التفسير و المفسّرون، ج ١، ص ١٢٨- ١٢٩.