التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١١ - رابعا اضطلاعه بالأدب الرفيع
من فهم معاني كلماته، لا بدّ لحلّها من مراجعة الفصيح من كلام العرب المعاصر لنزول القرآن؛ حيث نزل بلغتهم و على أساليب كلامهم المألوف.
و هكذا نجد ابن عبّاس يرجع، عند مبهمات القرآن و ما أُشكل من لفظه، إلى فصيح الشعر الجاهليّ، و البديع من كلامهم الرفيع. و كان استشهاده بالشعر إنّما جاءه من قبل ثقافته الأدبيّة و اضطلاعه باللغة و فصيح الكلام. و في تاريخ الأدب العربيّ آنذاك شواهد رائعة تُشيد بنبوغه و مكانته السامية في العلم و الأدب. و ساعده على ذلك ذكاء مُفرَط و حافظة قويّة لاقطة، كان لا يسمع شيئا إلّا و كان يحفظه بكامله لوقته.
يروي أبو الفرج الأصبهانيّ بإسناده إلى عمر الركّاء، قال: بينا ابن عبّاس في المسجد الحرام و عنده نافع بن الأزرق (رأس الأزارقة من الخوارج) و ناس من الخوارج يسألونه؛ إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين مورَّدَين أو مُمصَّرَين[١] حتّى دخل و جَلَس.
فأقبل عليه ابن عبّاس فقال: أنشدنا، فأنشده:
|
أَ مِنْ آل نُعْم أنت غادٍ فمبكر |
غداةَ غدٍ أم رائحٌ فَمُهجِّر؟ |
|
حتّى أتى على آخِرها فأقبل عليه نافع بن الأزرق، فقال: اللّه يابن عبّاس! إنّا نضرب إليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد نسألك عن الحلال و الحرام فتتثاقل عنّا، و يأتيك غلام مُترَف من مترفي قريش فينشدك:
|
رأت رجلًا أمّا إذا الشمس عارضت |
فيخزَى و أمّا بالعشيّ فيخسر |
|
فقال: ليس هكذا قال. قال: فكيف قال؟ فقال: قال:
|
رأت رجلًا أمّا إذا الشمس عارضت |
فيَضحَى و أمّا بالعشيّ فيحصر |
|
فقال: ما أراك إلّا و قد حفظت البيت! قال: أجلْ! و إن شئتَ أن أُنشدك القصيدة أنشدتك إيّاها. قال: فإنّي أشاء. فأنشده القصيدة حتّى أتى على آخِرها. و ما سمعها قطّ إلّا تلك المرّة صفحا[٢]، و هذا غاية الذكاء.
[١] -. ثوب ممصّر: مصبوغ باللون الأحمر، و فيه شيء من صفرة.
[٢] -. أي مرورا و عَرَضا.