التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٧ - ٩ الحسن البصري
و لكنّ الأشاعرة- و هم جمهور أهل السنّه- لم يَرُقْهم ذلك بشأن مثل الحسن البصريّ الإمام المعترَف به لدى الجميع، فجعلوا يتأوّلون كلامه في ذلك أو يحملونه على رأيه القديم، و قد تاب منه و رجع إلى رأي الجماعة، كما زعموا.
قال أبو عبد اللّه الذهبيّ: و أمّا مسألة «القدر» فصحّ عنه الرجوع عنها، و أنّها كانت زلقة لسان[١].
و روى ابن سعد عن حمّاد بن زيد عن أيّوب، قال: نازلت الحسن في القدَر غير مرّة، حتّى خوّفته السلطان، فقال: لا أعود فيه بعد اليوم. و عن أبي هلال، قال: سمعت حُمَيدا و أيّوب يتكلّمان، فسمعت حُمَيدا يقول لأيّوب: لوددتُ أنّه قُسم علينا غُرْم، و أنّ الحسن لم يتكلّم بالذي تكلّم به، قال أيّوب: يعني في القدَر![٢].
قال عبد الكريم الشهرستانيّ: و رأيت رسالة نُسبت إلى الحسن البصريّ كتبها إلى عبد الملك بن مروان[٣] و قد سأله عن القول بالقدَر و الجبر، فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدريّة. و استدلّ فيها بآيات من الكتاب و دلائل من العقل. قال: و لعلّها لواصل بن عطاء، فما كان الحسن ممّن يخالف السلف في أنّ القدَر خيره و شرّه من اللّه تعالى. فإنّ هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم. قال: و العجب أنّه حُمل هذا اللفظ (الخير و الشرّ كلّه من اللّه) الوارد في الخبر، على البلاء و العافية، و الشدّة و الرخاء، و المرض و الشفاء، و الموت و الحياة، إلى غير ذلك من أفعال اللّه تعالى، دون الخير و الشرّ، و الحسن و القبيح، الصادرين من اكتساب العباد، و كذلك أورده جماعة من المعتزلة في المقالات عن أصحابهم[٤].
[١] -. ميزان الاعتدال، ج ١، ص ٤٨٣، عند ترجمة سميّه الحسن بن الحسن البغداديّ برقم ١٨٢٨.
[٢] -. الطبقات، ج ٧، ص ١٢٢، ق ١.
[٣] -. ينسب له القاضي عبد الجبّار رسالة في العدل و التوحيد، أرسلها إلى عبد الملك بن مروان هامش شرح الاصول الخمسة لعبد الجبّار، ص ١٣٧. قال المحقّق التستريّ: و الرسالة رأيتها في مكتبة الطهرانيّ بكربلاء، و هي كما قال الشهرستانيّ رسالة حسنة مشتملة على أدلّة متقنة قاموس الرجال، ج ٣، ص ١٣٧.
[٤] -. الملل و النحل، ج ١، ص ٤٧.