التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٠ - منهج القرآن في الإفادة و البيان
في عالم التكوين، موقوف على إذنه تعالى، بأن يفيض على عامل التأثير خاصيّته التأثيريّة، حالة التأثير، أي يُديمها و لا يقطع إفاضته عليه حينذاك، و إلّا لما أمكن لعامل التأثير أن يؤثّر شيئا «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ»[١] تلك إرادته تعالى الحادثة، هي التي أمكنت للأشياء تأثيرها و تأثّرها في عالم الطبيعة، و لولاها لما أمكن لعامل طبيعيّ أن يؤثّر شيئا في عالم الوجود، و هذا هو المراد من تداوم إفاضته تعالى في عالم التكوين.
قال تعالى: «وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ»[٢] فلولا إذنه تعالى، أي تداوم إفاضة- إمكان التأثير من قبله تعالى- لما أمكن لسحرهم أن يؤثّر شيئا.
و ذلك نظرا لأنّ عوامل التأثير في عالم الوجود، إنّما هي متأثّرة- في إمكان تأثيرها- بتأثيره تعالى؛ إذ لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه؛ حيث الممكنات بأسرها فقيرات في ذوات أنفسها، فكما أنّها بذاتها محتاجة إلى إفاضة الوجود عليها، كذلك أثرها في عالم الطبيعة أمر ممكن، و محتاج لإفاضة الوجود عليه. ففور إرادة التأثير يجب تداوم إفاضة إمكان التأثير عليه حتّى يتمكّن من التأثير «وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ»[٣] أي بإمكان التأثير الحاصل من قبله تعالى.
و هذا هو معنى «الإذن» في التكوين، حسب المصطلح القرآنيّ، مستفادا من قوله تعالى: «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ»[٤].
*** و قد دأب القرآن على إسناد الأفعال الصادرة في عالم الوجود كلّها إلى اللّه، سواء أ كان فاعلها فاعلًا إراديّا كالإنسان و الحيوان، أم غير إراديّ كالشمس و القمر، و ليس ذلك إلّا من جهة أنّه المؤثّر في تحقّق الأفعال مهما كانت، اختياريّة أم غير اختياريّة. إنّه تعالى هو الذي أقدر الأشياء على فعل الأفعال، و أمدّهم بالقوى، و أفاض عليهم الإقدار بصورة
[١] -. التكوير ٢٩: ٨١.
[٢] -. البقرة ١٠٢: ٢.
[٣] -. الأعراف ٥٨: ٧.
[٤] -. الإنسان ٣٠: ٧٦.