التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٣ - نظرة الإمام الخوئي
المبرهنة في التوحيد و النبوّة و المعاد. و بالجملة، فقد تكفّل القرآن بصلاح عامّة البشر معاشهم و معادهم بما لم يأت بمثله أيُ كتاب سماويّ، و أيُ شريعة من الشرائع السابقة. و لا شكّ أنّ الترجمة مهما كانت من القوّة و البلاغة في اللغة الأجنبيّة فإنّها لا تقدر على الإتيان بها بلسان آخر، مهما كان المترجِم قويّا ماهرا في كلتا اللغتين العربيّة و الأجنبيّة. فإذا صحّت الترجمة و لم يكن فيها أيّ تغيير و تحريف، فهي جائزة، بل نقلها واجب على المقتدر فردا كان أو جماعة؛ لأنّ فيها أبلغ دعوةٍ للإسلام و دعاية للدين، و يشمله قوله تعالى: «وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ»[١] و أيّ خير أهمّ و أعظم من الدعوة إلى الإسلام! و لم تزل ترجمة القرآن باللغة الفارسيّة شائعة من زمن قديم، و لم يذكر أحد من علمائنا الأفاضل رحمهمالله المنع عنها، و إذا جاز بالفارسيّة جاز بغيرها قطعا. و بهذا البيان لا حاجة إلى التمسّك بأصالة الإباحة و نحوها، فإنّ الأمر أوضح و أصحّ و أجلى من أن يحتاج إلى دليل أو أصل أصيل، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل[٢].
نظرة الإمام الخوئيّ
لسيّدنا الاستاذ الإمام الخوئيّ رحمه الله نظرة وافية بشأن ترجمة القرآن إلى سائر اللغات، ذكرها في ملحق كتابه البيان مع إشارة إجماليّة إلى شروطها الأوّليّة، و إليك نصّها:
لقد بعث اللّه نبيّه لهداية الناس فعزّزه بالقرآن، و فيه كلّ ما يسعدهم و يرقى بهم إلى مراتب الكمال. و هذا لطف من اللّه لا يختصّ بقوم دون آخر، بل يعمّ البشر عامّة. و قد شاءت حكمته البالغة أن ينزل قرآنه العظيم على نبيّه بلسان قومه، مع أنّ تعاليمه عامّة و هدايته شاملة؛ و لذلك فمن الواجب أن يفهم القرآن كلّ أحد ليهتدي به. و لا شكّ أنّ ترجمته ممّا يعين على ذلك، و لكنّه لا بدّ أن تتوفّر في الترجمة براعة و إحاطة كاملة باللغة التي يُنقل منها القرآن إلى غيرها؛ لأنّ الترجمة مهما كانت متقنة لا تفي بمزايا البلاغة التي امتاز بها القرآن، بل و يجري ذلك في كلّ كلام؛ إذ لا يؤمَن أن تنتهي الترجمة إلى عكس ما يريد الأصل. و لا بدّ إذن في ترجمة القرآن من فهمه، و ينحصر فهمه في امور ثلاثة:
١- الظهور اللفظيّ الذي تفهمه العرب الفصحاء،
٢- حكم العقل الفطريّ السليم،
[١] -. آل عمران ١٠٤: ٣.
[٢] -. نقلًا عن رسالة« القرآن و الترجمة» لمحمّد عليّ عبد الرحيم، ص ٣- ٤، ١٣٧٥ ه. ط نجف.