التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٠ - خلاصة القول في التفسير بالرأي
التفكّر حياة قلب البصير»[١].
قال العلّامة الفيلسوف ابن رشد الأندلسيّ أنّه قد سلك الشرع في تعاليمه و برامجه الناجحة مسلكا ينتفع به الجمهور، و يخضع له العلماء. و من ثَمّ جاء بتعابير يفهمها كلّ من الصنفين: الجمهور يأخذون بظاهر المثال، فيتصوّرون عن الممثَّل له مايشاكل الممثَّل به، و يقتنعون بذلك. و العلماء يعرفون الحقيقة التي جاءت في طيّ المثال[٢].
و سنبحث عن منهج القرآن و أساليب بيانه في فصل قادم، إن شاء اللّه.
*** و إليك بعض الأمثلة، شاهدا لما ذكره سيّدنا العلّامة:
قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ»[٣].
هذا خطاب عامّ يشمل كافّة الذين آمنوا، يدعوهم إلى الإيمان الصادق و الاستجابة- عقيدةً و عملًا- لدعوة الإسلام، و الاستسلام العامّ للشريعة الغرّاء؛ إذ في ذلك حياة القلب، و الطمأنينة في العيش، و إدراك لذائذ نعمة الوجود.
أمّا الحائد عن طريقة الدِّين و المخالف لمناهج الشريعة، فإنّه في قلق من الحياة، يعيش مضطربا قد سلبت راحتَه كوارثُ الدهر، يخشى مفاجئتها في كلّ لحظة و أوان.
و أمّا المتّكل على اللّه، فهو آمن في الحياة، يداوم مسيرته، فارغ البال في كنفه تعالى «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ»[٤]، «الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»[٥].
هذا تفسير الدعوة إلى ما فيه الحياة، و لعلّه ظاهر لا غبار عليه.
و أمّا قوله تعالى- بعد ذلك-: «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ»[٦] فيعلوه غبار
[١] -. الميزان، ج ١، ص ١٠؛ الكافي، ج ٢، ص ٥٩٩.
[٢] -. راجع: رسالته الكشف عن مناهج الأدلّة، ص ٩٧.
[٣] -. الأنفال ٢٤: ٨.
[٤] -. الطلاق ٣: ٦٥.
[٥] -. الرعد ٢٨: ١٣.
[٦] -. الأنفال ٢٤: ٨.