التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩ - الحاجة إلى التفسير
و جانب آخر أهمّ: احتواء القرآن على معان دقيقة و مفاهيم رقيقة، تنبؤك عن كمون الخليقة و أسرار الوجود، هي تعاليم و حِكَم راقية جاء بها القرآن، و كانت فوق مستوى البشريّة آنذاك؛ ليقوم النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بتبيينها و شرح تفاصيلها، و كذا صحابته العلماء «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ»[١].
و ذلك في مثل صفاته تعالى- الجلال و الجمال-، و معرفة وجود الإنسان، و سرّ خلقته، و مقدار تصرّفه في الحياة، و الهدف من الخلق و الإيجاد، و مسائل المبدإ و المعاد.
كلّ ذلك جاء في القرآن في إشارات عابرة، و في ألفاظ و تعابير كنائيّة، و استعارة و مجاز؛ فكان حلّها و الكشف عن معانيها بحاجة إلى فقه و دراسة و تدبّر، و إمعان نظر و تفكير.
و أيضا فإنّ في القرآن إلماعات إلى حوادث غابرة و امم خالية، جاء ذكرها لأجل العظة و الاعتبار، إلى جنب عادات جاهليّة كانت معاصرة، عارضها و شدّد النكير عليها، في مثل مسألة النسيء، و أنّها زيادة في الكفر[٢]، و نهيه عن دخول البيوت من ظهورها[٣]، و نحو ذلك، فاستنكرها عليهم و عنّفهم عليها حتّى أبادها، و قطعها من جذورها. فلم يبق منها سوى إشارات عابرة، لولا الوقوف عليها، لما أمكن فهم معاني تلكم الآيات.
كما تعرّض لُامور أتى عليها من وجه كلّيّها و أهمل جانب تعيينها، فجاءت مجملة هي بحاجة إلى شرح و بيان، في مثل الدابّة التي تخرج من الأرض فتكلّم الناس[٤]، و البرهان الذي عصم يوسف من ارتكاب الإثم[٥].
هذا مضافا إلى غرائب اللغة التي جاءت في القرآن على أفصحها و أبلغها، و إن كان صعبا فهمها على عامّة الناس، لولا الشرح و البيان.
[١] -. الجمعة ٢: ٦٢.
[٢] -. التوبة ٣٧: ٩.
[٣] -. البقرة ١٨٩: ٢.
[٤] -. النمل ٨٢: ٢٧.
[٥] -. يوسف ٢٤: ١٢.