التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٤ - أوجه التفسير
يستفيض ذلك اللفظ، و تكثر شواهده من الشعر.
و أمّا الإعراب، فما كان اختلافه محيلًا للمعنى، وجب على المفسِّر و القارئ تعلّمه، ليتوصّل المفسِّر إلى معرفة الحكم و ليسلم القارئ من اللحن. و إن لم يكن محيلًا للمعنى، وجب تعلّمه على القارئ ليسلم من اللحن، و لا يجب على المفسِّر؛ لوصوله إلى المقصود دونه، على أنّ جهله نقص في حقّ الجميع.
إذا تقرّر ذلك، فما كان من التفسير راجعا إلى هذا القسم، فسبيل المفسِّر التوقّف فيه على ما ورد في لسان العرب، و ليس لغير العالم بحقائق اللغة و مفاهيمها تفسير شيء من الكتاب العزيز، و لا يكفي في حقّه تعلّم اليسير منها، فقد يكون اللفظ مشتركا، و هو يعلم أحد المعنيين.
*** الثاني: ما لا يُعذَر أحد بجهله، و هو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من النصوص المتضمّنة شرائع الأحكام و دلائل التوحيد. و كلّ لفظ أفاد معنىً واحدا جليّا لا سواه، يعلم أنّه مراد اللّه تعالى.
فهذا القسم لا يختلف حكمه، و لا يلتبس تأويله؛ إذ كلّ أحد يدرك معنى التوحيد، من قوله تعالى: «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ»[١] و أنّه لا شريك له في إلهيّته، و إن لم يعلم أنّ «لا» موضوعة في اللغة للنفي و «إلّا» للإثبات، و أنّ مقتضى هذه الكلمة الحصر. و يعلم كلّ أحد بالضرورة أنّ مقتضى قوله تعالى: «وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ»[٢] و نحوها من الأوامر، طلب إدخال ماهيّة المأمور به في الوجود، و إن لم يعلم أنّ صيغة «افْعل» مقتضاها الترجيح وجوبا أو ندبا. فما كان من هذا القسم لا يقدر أحد أن يدّعي الجهل بمعاني ألفاظه؛ لأنّها معلومة لكلّ أحد بالضرورة.
الثالث: ما لا يعلمه إلّا اللّه تعالى، فهو يجري مجرى الغيوب، نحو الآي المتضمّنة قيام
[١] -. محمّد ١٩: ٤٧.
[٢] -. البقرة ٤٣: ٢.