التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٨ - حريته في التفسير العقلي
احتجّ بتفسيره الأئمّة النقّاد و العلماء و أصحاب الحديث.
اتُّهم بالأخذ من أهل الكتاب، و لكن شدّة نكير شيخه ابن عبّاس على الآخذين من أهل الكتاب، يتنافى و هذه التهمة. و الأرجح أنّ رجوعه إليهم كان في امور لا تدخل في دائرة النهي الوارد عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، و ربّما كان لغرض التحقيق لا التقليد.
و كذلك اتُّهم بأنّه يفسّر القرآن برأيه- كان قد أعطى نفسه حرّيّة واسعة في التفسير العقليّ- فقد روى ابنه عبد الوهّاب أنّ رجلًا قال لأبيه: أنت الذي تفسّر القرآن برأيك؟
فبكى أبي ثمّ قال: إنّي إذن لجريء، لقد حملت التفسير عن بضعة عشر رجلًا من أصحاب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم[١].
قلت: و هذه التهمة يرجع سببها إلى الجوّ الحاكم آنذاك من التحاشي عن الخوض في معاني القرآن، و لا سيّما المتشابهات، غير أن شريعة العقل ترفض كلّ مناشئ الجمود. و قد أسبقنا البحث عن مسألة التفسير بالرأي الممنوع.
*** حرّيّته في التفسير العقليّ
كان مجاهد حرّ الرأي، يفسّر القرآن حسبما يبدو له من ظاهر اللفظ، و يرشده إليه عقله الرشيد و فطرته السليمة، بعد إحاطته بمفاهيم الكلمات و الأوضاع اللغويّة و العرفيّة (حسب متفاهم العرف العامّ آنذاك) و ما كان قد عهده من مباني الشريعة و أُسس الدين القويمة. و بعد مراجعة كلمات أعلام الامّة و خيار الصحابة الأوّلين، الأمر الذي يجب توفّره في كلّ مفسّرٍ حرّ الرأي و مضطلع خبير.
قال- في تفسير قوله تعالى: «فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ»[٢]-: لم يُمْسَخوا قردة، و إنّما هو مثل ضربه اللّه، كما قال: «كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً»[٣]. قال: إنّه مُسخت قلوبهم فجُعلت
[١] -. التفسير و المفسّرون، ج ١، ص ١٠٧.
[٢] -. البقرة ٦٥: ٢.
[٣] -. الجمعة ٥: ٦٢.