التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٨ - منهج القرآن في الإفادة و البيان
سئل الإمام أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام عن الحديث المتواتر عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: «ما من آية إلّا و لها ظهر و بطن ...»، فقال: «ظهره تنزيله، و بطنه تأويله، منه ما قد مضى و منه ما لم يجئ، يجري كما تجري الشمس و القمر، كلّما جاء شيء منه وقع ...»[١].
و قال: «ظهر القرآن: الذين نزل فيهم، و بطنه: الذين عملوا بمثل أعمالهم»[٢].
و أضاف عليه السلام: «و لو أنّ الآية إذا نزلت في قوم، ثمّ مات اولئك القوم، ماتت الآية، لما بقي من القرآن شيء، و لكنّ القرآن يجري أوّله على آخره ما دامت السماوات و الأرض، و لكلّ قوم آية يتلونها، هم منها من خير أو شرّ»[٣].
نعم، كان العلم بباطن الآية، أي القدرة على انتزاع مفهوم عامّ صالح للانطباق على موارد مشابهة، خاصّا بالراسخين في العلم، و ليس يفهمه كلّ أحد حسب دلالة الآية في ظاهرها البدائيّ.
و الخلاصة: أنّ لتعابير القرآن دلالتين: دلالة بالتنزيل؛ و هو ما يستفاد من ظاهر التعبير، و دلالة اخرى بالتأويل؛ و هو المستفاد من باطن فحواها، و ذلك بانتزاع مفهوم عامّ صالح للانطباق على الموارد المشابهة عبر الأيّام. إذن أصبح القرآن ذا دلالتين: ظاهرة و باطنة، الأمر الذي امتاز به على سائر الكلام.
مثلًا آية الإنفاق في سبيل اللّه، نزلت بشأن الدفاع عن حريم الإسلام، فكان واجبا على المسلمين القيام بهذا الواجب الدينيّ؛ ليأخذوا بأُهبة الأمر و يُعدّوا له عدّته، و منها بذل الأموال فضلًا عن بذل النفوس. هذا شيء كان واجبا على عامّة المكلّفين أنفسهم كلّ حسب إمكانه، هذا ما يُفهم من ظاهر الآية البدائيّ.
أمّا الفقيه النابه فيستفيد من الآية شيئا أوسع، يشمل كلّ ضرورات الدولة القائمة على أساس العدل، و إحياء كلمة اللّه في الأرض؛ فيجب بذل المال في سبيل تثبيت دعائم
[١] -. بحارالأنوار، ج ٨٩، ص ٩٧، رقم ٦٤ ط بيروت.
[٢] -. المصدر نفسه، ص ٩٤، رقم ٤٦.
[٣] -. تفسير العيّاشيّ، ج ١، ص ١٠، رقم ٧.