التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٢ - خلاصة القول في التفسير بالرأي
و هذا هو معنى قوله تعالى: «وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ»[١]، قال تعالى: «وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ»[٢].
فإنّ نسيان النفس كناية عن الابتعاد عن معالم الإنسانيّة و الشرف التليد «وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ»[٣].
*** و قال تعالى: «وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا»[٤].
اختلف الفقهاء في موضع القطع من يد السارق؛ حيث الإبهام في ذات اليد، أنّها من الكَتِف أم من المرفق أم الساعد أم الكُرسوع (طرف الزَند) أم الأشاجع (اصول الأصابع)؟
روى أبو النضر العيّاشيّ في تفسيره بالإسناد إلى زرقان صاحب ابن أبي داود، قاضي القضاة ببغداد، قال: أُتي بسارق إلى المعتصم و قد أقرّ بالسرقة، فسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحدّ، فجمع الفقهاء يستفتيهم في إقامة حدّ السارق عليه، و كان ممّن أُحضر محمّد ابن عليّ الجواد عليه السلام، فسألهم عن موضع القطع.
فقال ابن أبي داود: من الكُرسوع، استنادا إلى آية التيمّم؛ حيث المراد من اليد في ضربتيه هو الكفّ، و وافقه قوم. و قال آخرون: من المرفق، استنادا إلى آية الوضوء.
فالتفت الخليفة إلى الإمام الجواد يستعلم رأيه، فاستعفاه الإمام، فأبى و أقسم عليه أن يخبره برأيه.
فقال عليه السلام: أمّا إذا أقسمت عليّ باللّه، إنّي أقول: إنّهم أخطأوا فيه السنّة، فإنّ القطع يجب أن يكون من مَفصِل اصول الأصابع، فيُترك الكفّ.
قال المعتصم: و ما الحجّة في ذلك؟
قال الإمام: قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: السجود على سبعة أعضاء: الوجه و اليدين و الركبتين و الرجلين، فإذا قطعت يده من الكُرسوع أو المرفق، لم يبق له يد يسجد عليها،
[١] -. الأنعام ١١٠: ٦.
[٢] -. الحشر ١٩: ٥٩.
[٣] -. الأعراف ١٧٦: ٧.
[٤] -. المائدة ٣٨: ٥.