التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٠ - التحذير عن مراجعة أهل الكتاب
و يجعل مستنده هذه المراجعة المفتعَلة قطعا، إذ كيف يُعقل أن يراجع، مثله في مثل هذه المعاني؟!
*** و أسخف من الجميع تبرير ما نسب إلى ابن عبّاس من أقاصيص أُسطوريّة جاءت عنه، بأنّه من جرّاء رجوعه إلى أهل الكتاب في هكذا امور بعيدة عن صميم الدين. قال الاستاذ أمين: و هذا يعلّل ما في تفسيره من إسرائيليّات. قال ذلك بعد قوله: و كان ابن عبّاس و أبو هريرة أكبر مَنْ نَشَرَ علم كعب الأحبار[١].
و قال الدكتور مصطفى الصاويّ: و كثيرا ما ترد عن ابن عبّاس روايات في بدء الخليقة و قصص القرآن، ممّا لا يمكن أن يكون قد رجع فيها إلّا إلى أهل الكتاب؛ حيث يرد هذا القصص مفصّلًا، مثال هذا تفسيره للآية: «قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ»[٢] قال: لكنّه حين يرجع إليهم مستفسرا، فإنّما يرجع رجوع العالم الذي يُعير سمعه لما يقال، ثمّ يعمل فكره و عقله فيما يسمع، ثمّ ينخله مُبعدا عنه الزيف[٣].
قلت: إن كانت فيما رُوي عنه في ذلك و أمثاله غرابة أو غضاضة، فإنّ العتب إنّما يرجع إلى الذي نسبه إلى ابن عبّاس، ترويجا لأُكذوبته، و لا لوم على ابن عبّاس في كثرة الوضع عليه. نعم، و لعلّ هذه الكثرة في الوضع عليه آية على تقدير له و إكبار من الوُضّاع، لكنّه في نفس الوقت، رغبة منهم في أن تنفق بضاعتهم، موسومةً بمن في اسمه الرواج العلميّ.
و قد اعترف بذلك الدكتور الصاويّ[٤]، فلماذا حكم عليه ذلك الحكم القاسي؟!
*** و يقرب من ذلك بل أقبح ما أسندوه إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أنّه سأل غلاما يهوديّا يافعا (ناهز البلوغ) عن تربة الجنّة فأجابه على الفور: دَرمَكَةٌ بيضاءُ مِسكٌ خالص .. فصدّقه رسول اللّه .. و الدَرمَكُ هو الدقيق الحُواريّ الخالص البياض ..
[١] -. فجر الإسلام، ص ١٦٠.
[٢] -. البقرة ٣٠: ٢. راجع: تفسير الطبريّ، ج ١، ص ١٥٨.
[٣] -. مناهج في التفسير، ص ٣٨.
[٤] -. المصدر نفسه، ص ٤١.