التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٢ - هم درجات عند الله
و في لفظ ابن الأثير: تكفي الإخاذة الراكب، و تكفي الإخاذة الراكبين، و تكفي الإخاذة الفئام من الناس. قال: و الإخاذ ككتاب: مصنع للماء يجتمع فيه. و الفئام: الجماعة الكثيرة[١].
و يعني بالأخير (لأصدرهم) الإمام أمير المؤمنين، عليه صلوات المصلّين؛ حيث كان- سلام اللّه عليه- ينحدر عنه السيل و لا يَرقى إليه الطير[٢]. قال مسروق: «انتهى العلم إلى ثلاثة: عالم بالمدينة عليّ بن أبي طالب، و عالم بالعراق عبد اللّه بن مسعود، و عالم بالشام أبي الدرداء، فإذا التقوا سأل عالم الشام و عالم العراق عالم المدينة و هو لم يسألهم»[٣].
قال الاستاذ محمد حسين الذهبيّ: الحقّ أنّ الصحابة كانوا يتفاوتون في القدرة على فهم القرآن و بيان معانيه المرادة منه؛ و ذلك راجع إلى اختلافهم في أدوات الفهم. فقد كانوا يتفاوتون في العلم بلغتهم، فمنهم الواسع الاطّلاع المُلمّ بغريبها (كعبد اللّه بن عبّاس)، و منهم دون ذلك، و منهم من لازم النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فعرف من أسباب النزول ما لم يعرفه غيره (كعليّ بن أبي طالب عليه السلام). أضف إلى ذلك أنّ الصحابة لم يكونوا في درجتهم العلميّة و مواهبهم العقليّة سواءً، بل كانوا مختلفين في ذلك اختلافا عظيما[٤].
هذا عَديّ بن حاتم[٥]، العربيّ الصميم، حَسِب من قوله تعالى: «وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ...»[٦] أنّه تمايز أحد خيطين: أبيض
[١] -. النهاية في غريب الحديث و الأثر لابن الأثير، ج ١، ص ٢٨.
[٢] -. راجع: نهج البلاغة، الخطبة الشقشقيّة، رقم ٣.
[٣] -. راجع: تاريخ دمشق لابن عساكر، ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب، ج ٣، ص ٥١، رقم ١٠٨٦.
[٤] -. التفسير و المفسّرون، ج ١، ص ٣٥ و ٣٦.
[٥] -. هو ابن حاتم الموصوف بالجود الذي يُضرب به المثل، وفد على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم سنة تسع. كان جوادا شريفا في قومه. و كان ثابت الإيمان راسخ العقيدة، روي عنه أنّه قال: ما دخل عليّ وقت صلاة إلّا و أنا مشتاق إليها. و كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يكرمه إذا دخل عليه. قال الشعبيّ: أرسل إليه الأشعث يستعير منه قدور حاتم فملأها و حملها الرجال إليه. فقال: إنّما أردناها فارغة، فقال عديّ: إنّا لا نعيرها فارغة. كان منحرفا عن عثمان، ثابتا مع أمير المؤمنين عليه السلام فُقِئَت عينه يوم الجمل و قتل ابنان له في ركاب عليّ عليه السلام و شهد صفّين بنفسه. تُوفّي سنة ٦٧ ه. بالكوفة أيّام المختار، و له مائة و عشرون سنة( أُسد الغابة، ج ٣، ص ٣٩٢- ٣٩٤).
[٦] -. البقرة ١٨٧: ٢.