التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٩ - مناقشات فقهية
مناقشات فقهيّة
سبق أنّ فقهاء الإماميّة متّفقون على أنّ الترجمة ليست قرآنا، ذلك الكتاب العليّ الحكيم، الذي لا يمسّه إلّا المطهّرون. فبالتالي لا تجري عليها الأحكام الخاصّة بالقرآن، التي منها جواز القراءة بها في الصلاة. و قد عرفت كلام المحقّق الهمدانيّ: عدم إجزاء الترجمة عن القراءة في الصلاة، حتّى للعاجز عن النطق بالعربيّة. و هذا إجماع من علمائنا- قديما و حديثا- أنّ الترجمة ليست قرآنا إطلاقا.
أمّا سائر المذاهب، فقد ذهب أبو حنيفة إلى جواز قراءة الترجمة بدلًا عن القرآن نفسه، مطلقا سواء أ قدر على العربيّة أم عجز عنها، و استدلّ على ذلك بأنّ القرآن الواجب قراءته في الصلاة، هي حقيقة القرآن و معناه الذي نزل على قلب رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم لقوله تعالى:
«وَ إِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ»[١]، «إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى»[٢]، و الضمير في «إِنَّهُ»، و الإشارة في «إِنَّ هذا» إنّما هو للقرآن، و معلوم أنّه لم يكن في تلك الصحف إلّا معانيه.
و أيضا قوله تعالى: «وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ»[٣]. و إنّما ينذر كلّ قوم بلسانهم[٤]. و زاد السرخسيّ استدلال أبي حنيفة بما روى أنّ الفُرس كتبوا إلى سلمان الفارسيّ، أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسيّة، فكانوا يقرأون ذلك في صلاتهم حتّى لانت ألسنتهم للعربيّة[٥].
أمّا صاحباه (أبو يوسف و محمّد) فقد أجازا قراءة الترجمة للعاجز عن العربيّة دون القادر عليها، و بذلك أفتى الشيخ محمّد بخيت مفتي الديار المصريّة في فتوى له لأهل
[١] -. الشعراء ١٩٦: ٢٦.
[٢] -. الأعلى ١٨: ٨٧- ١٩.
[٣] -. الأنعام ١٩: ٦.
[٤] -. راجع: المغني لابن قدامة، ج ١، ص ٥٢٦؛ مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام للعامليّ، ج ٣، ص ٣٤١؛ رسالة بحث في ترجمة القرآن للمراغيّ، ص ٩.
[٥] -. المبسوط للسرخسيّ، ج ١، ص ٣٧. و في رواية تاج الشريعة الحنفيّ زيادة« فكتب بسم اللّه الرحمان الرحيم: بنام يزدان بخشاونده .... و بعد ما كتب ذلك، عرضه على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم»( حاشية الهداية لتاج الشريعة، ج ١، ص ٨٦. طبع دلهي، ١٩١٥ م.)، معجم مصنّفات القرآن، ج ٢، ص ١٢.